Al-Muminun( المؤمنون)
Original,King Fahad Quran Complex(الأصلي,مجمع الملك فهد القرآن)
show/hide
Tafseer Al-Maiser,King Fahad Quran Complex(تفسير المیسر,مجمع الملك فهد القرآن)
show/hide
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ قَد أَفلَحَ المُؤمِنونَ(1)
قد فاز المصدِّقون بالله وبرسوله العاملون بشرعه.(1)
الَّذينَ هُم فى صَلاتِهِم خٰشِعونَ(2)
الذين من صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون، تَفْرُغُ لها قلوبهم، وتسكن جوارحهم.(2)
وَالَّذينَ هُم عَنِ اللَّغوِ مُعرِضونَ(3)
والذين هم تاركون لكل ما لا خير فيه من الأقوال والأفعال.(3)
وَالَّذينَ هُم لِلزَّكوٰةِ فٰعِلونَ(4)
والذين هم مُطَهِّرون لنفوسهم وأموالهم بأداء زكاة أموالهم على اختلاف أجناسها.(4)
وَالَّذينَ هُم لِفُروجِهِم حٰفِظونَ(5)
والذين هم لفروجهم حافظون مما حرَّم الله من الزنى واللواط وكل الفواحش.(5)
إِلّا عَلىٰ أَزوٰجِهِم أَو ما مَلَكَت أَيمٰنُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلومينَ(6)
إلا على زوجاتهم أو ما ملكت أيمانهم من الإماء، فلا لوم عليهم ولا حرج في جماعهن والاستمتاع بهن؛ لأن الله تعالى أحلَّهن.(6)
فَمَنِ ابتَغىٰ وَراءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العادونَ(7)
فمن طلب التمتع بغير زوجته أو أمَتِه فهو من المجاوزين الحلال إلى الحرام، وقد عرَّض نفسه لعقاب الله وسخطه.(7)
وَالَّذينَ هُم لِأَمٰنٰتِهِم وَعَهدِهِم رٰعونَ(8)
والذين هم حافظون لكل ما اؤتمنوا عليه، موفُّون بكل عهودهم.(8)
وَالَّذينَ هُم عَلىٰ صَلَوٰتِهِم يُحافِظونَ(9)
والذين هم يداومون على أداء صلاتهم في أوقاتها على هيئتها المشروعة، الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.(9)
أُولٰئِكَ هُمُ الوٰرِثونَ(10)
هؤلاء المؤمنون هم الوارثون الجنة.(10)
الَّذينَ يَرِثونَ الفِردَوسَ هُم فيها خٰلِدونَ(11)
الذين يرثون أعلى منازل الجنة وأوسطها، هم فيها خالدون، لا ينقطع نعيمهم ولا يزول.(11)
وَلَقَد خَلَقنَا الإِنسٰنَ مِن سُلٰلَةٍ مِن طينٍ(12)
ولقد خلقنا آدم من طين مأخوذ من جميع الأرض.(12)
ثُمَّ جَعَلنٰهُ نُطفَةً فى قَرارٍ مَكينٍ(13)
ثم خلقنا بنيه متناسلين مِن نطفة: هي مني الرجال تخرج من أصلابهم، فتستقر متمكنة في أرحام النساء.(13)
ثُمَّ خَلَقنَا النُّطفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقنَا العَلَقَةَ مُضغَةً فَخَلَقنَا المُضغَةَ عِظٰمًا فَكَسَونَا العِظٰمَ لَحمًا ثُمَّ أَنشَأنٰهُ خَلقًا ءاخَرَ ۚ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحسَنُ الخٰلِقينَ(14)
ثم خلقنا النطفة علقة أي: دمًا أحمر، فخلقنا العلقة بعد أربعين يومًا مضغة أي: قطعة لحم قَدْر ما يُمْضغ، فخلقنا المضغة اللينة عظامًا، فكسونا العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقًا آخر بنفخ الروح فيه، فتبارك الله، الذي أحسن كل شيء خلقه.(14)
ثُمَّ إِنَّكُم بَعدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتونَ(15)
ثم إنكم أيها البشر بعد أطوار الحياة وانقضاء الأعمار لَميتون.(15)
ثُمَّ إِنَّكُم يَومَ القِيٰمَةِ تُبعَثونَ(16)
ثم إنكم بعد الموت وانقضاء الدنيا تُبْعثون يوم القيامة أحياء من قبوركم للحساب والجزاء.(16)
وَلَقَد خَلَقنا فَوقَكُم سَبعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الخَلقِ غٰفِلينَ(17)
ولقد خلقنا فوقكم سبع سموات بعضها فوق بعض، وما كنا عن الخلق غافلين، فلا نُغْفِلُ مخلوقًا، ولا ننساه.(17)
وَأَنزَلنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسكَنّٰهُ فِى الأَرضِ ۖ وَإِنّا عَلىٰ ذَهابٍ بِهِ لَقٰدِرونَ(18)
وأنزلنا من السماء ماء بقدر حاجة الخلائق، وجعلنا الأرض مستقرًا لهذا الماء، وإنا على ذَهاب بالماء المستقر لَقادرون. وفي هذا تهديد ووعيد للظالمين.(18)
فَأَنشَأنا لَكُم بِهِ جَنّٰتٍ مِن نَخيلٍ وَأَعنٰبٍ لَكُم فيها فَوٰكِهُ كَثيرَةٌ وَمِنها تَأكُلونَ(19)
فأنشأنا بهذا الماء لكم بساتين النخيل والأعناب، لكم فيها فواكه كثيرة الأنواع والأشكال، ومنها تأكلون.(19)
وَشَجَرَةً تَخرُجُ مِن طورِ سَيناءَ تَنبُتُ بِالدُّهنِ وَصِبغٍ لِلءاكِلينَ(20)
وأنشأنا لكم به شجرة الزيتون التي تخرج حول جبل طور "سيناء"، يعصر منها الزيت، فيدَّهن ويؤتدم به.(20)
وَإِنَّ لَكُم فِى الأَنعٰمِ لَعِبرَةً ۖ نُسقيكُم مِمّا فى بُطونِها وَلَكُم فيها مَنٰفِعُ كَثيرَةٌ وَمِنها تَأكُلونَ(21)
وإن لكم- أيها الناس- في الإبل والبقر والغنم لَعبرة تعتبرون بخلقها، نسقيكم مما في بطونها من اللبن، ولكم فيها منافع أخرى كثيرة كالصوف والجلود، ونحوهما، ومنها تأكلون.(21)
وَعَلَيها وَعَلَى الفُلكِ تُحمَلونَ(22)
وعلى الإبل والسفن في البر والبحر تُحْمَلون.(22)
وَلَقَد أَرسَلنا نوحًا إِلىٰ قَومِهِ فَقالَ يٰقَومِ اعبُدُوا اللَّهَ ما لَكُم مِن إِلٰهٍ غَيرُهُ ۖ أَفَلا تَتَّقونَ(23)
ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه، بدعوة التوحيد فقال لهم: اعبدوا الله وحده، ليس لكم من إله يستحق العبادة غيره جل وعلا، فأخلصوا له العبادة، أفلا تخشون عذابه؟(23)
فَقالَ المَلَؤُا۟ الَّذينَ كَفَروا مِن قَومِهِ ما هٰذا إِلّا بَشَرٌ مِثلُكُم يُريدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيكُم وَلَو شاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلٰئِكَةً ما سَمِعنا بِهٰذا فى ءابائِنَا الأَوَّلينَ(24)
فكذَّبه أشراف قومه، وقالوا لعامتهم: إنه إنسان مثلكم لا يتميَّز عنكم بشيء، ولا يريد بقوله إلا رئاسة وفضلا عليكم، ولو شاء الله أن يرسل إلينا رسولا لأرسله من الملائكة، ما سمعنا بمثل هذا فيمَن سبقنا من آباء وأجداد. وما نوح إلا رجل به مَسٌّ من الجنون، فانتظروا حتى يُفيق، فيترك دعوته، أو يموت، فتستريحوا منه.(24)
إِن هُوَ إِلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصوا بِهِ حَتّىٰ حينٍ(25)
فكذَّبه أشراف قومه، وقالوا لعامتهم: إنه إنسان مثلكم لا يتميَّز عنكم بشيء، ولا يريد بقوله إلا رئاسة وفضلا عليكم، ولو شاء الله أن يرسل إلينا رسولا لأرسله من الملائكة، ما سمعنا بمثل هذا فيمَن سبقنا من آباء وأجداد. وما نوح إلا رجل به مَسٌّ من الجنون، فانتظروا حتى يُفيق، فيترك دعوته، أو يموت، فتستريحوا منه.(25)
قالَ رَبِّ انصُرنى بِما كَذَّبونِ(26)
قال نوح: رب انصرني على قومي؛ بسبب تكذيبهم إياي فيما بلَّغتهم من رسالتك.(26)
فَأَوحَينا إِلَيهِ أَنِ اصنَعِ الفُلكَ بِأَعيُنِنا وَوَحيِنا فَإِذا جاءَ أَمرُنا وَفارَ التَّنّورُ ۙ فَاسلُك فيها مِن كُلٍّ زَوجَينِ اثنَينِ وَأَهلَكَ إِلّا مَن سَبَقَ عَلَيهِ القَولُ مِنهُم ۖ وَلا تُخٰطِبنى فِى الَّذينَ ظَلَموا ۖ إِنَّهُم مُغرَقونَ(27)
فأوحينا إليه أن اصنع السفينة بمرأى منا وبأمرنا لك ومعونتنا، وأنت في حفظنا وكلاءتنا، فإذا جاء أمرنا بعذاب قومك بالغرق، وبدأ الطوفان، فنبع الماء بقوة من التنور -وهو المكان الذي يخبز فيه- علامة على مجيء العذاب، فأدخِلْ في السفينة من كل الأحياء ذكرًا وأنثى؛ ليبقى النسل، وأدخل أهلك إلا مَنِ استحق العذاب لكفره كزوجتك وابنك، ولا تسألني نجاة قومك الظالمين، فإنهم مغرقون لا محالة. وفي هذه الآية إثبات صفة العين لله سبحانه بما يليق به تعالى دون تشبيه ولا تكييف.(27)
فَإِذَا استَوَيتَ أَنتَ وَمَن مَعَكَ عَلَى الفُلكِ فَقُلِ الحَمدُ لِلَّهِ الَّذى نَجّىٰنا مِنَ القَومِ الظّٰلِمينَ(28)
فإذا علوت السفينة مستقرًا عليها أنت ومن معك آمنين من الغرق، فقل: الحمد لله الذي نجَّانا من القوم الكافرين.(28)
وَقُل رَبِّ أَنزِلنى مُنزَلًا مُبارَكًا وَأَنتَ خَيرُ المُنزِلينَ(29)
وقل: رب يسِّر لي النزول المبارك الآمن، وأنت خير المنزلين. وفي هذا تعليم من الله عز وجل لعباده إذا نزلوا أن يقولوا هذا.(29)
إِنَّ فى ذٰلِكَ لَءايٰتٍ وَإِن كُنّا لَمُبتَلينَ(30)
إن في إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لَدلالات واضحات على صدق رسل الله فيما جاؤوا به من الله، وإن كنا لمختبرين الأمم بإرسال الرسل إليهم قبل وقوع العقوبة بهم.(30)
ثُمَّ أَنشَأنا مِن بَعدِهِم قَرنًا ءاخَرينَ(31)
ثم أنشأنا من بعد قوم نوح جيلا آخر هم قوم عاد.(31)
فَأَرسَلنا فيهِم رَسولًا مِنهُم أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ ما لَكُم مِن إِلٰهٍ غَيرُهُ ۖ أَفَلا تَتَّقونَ(32)
فأرسلنا فيهم رسولا منهم هو هود عليه السلام، فقال لهم: اعبدوا الله وحده ليس لكم معبود بحق غيره، أفلا تخافون عقابه إذا عبدتم غيره؟(32)
وَقالَ المَلَأُ مِن قَومِهِ الَّذينَ كَفَروا وَكَذَّبوا بِلِقاءِ الءاخِرَةِ وَأَترَفنٰهُم فِى الحَيوٰةِ الدُّنيا ما هٰذا إِلّا بَشَرٌ مِثلُكُم يَأكُلُ مِمّا تَأكُلونَ مِنهُ وَيَشرَبُ مِمّا تَشرَبونَ(33)
وقال الأشراف والوجهاء من قومه الذين كفروا بالله، وأنكروا الحياة الآخرة، وأطغاهم ما أُنعم به عليهم في الدنيا من ترف العيش: ما هذا الذي يدعوكم إلى توحيد الله تعالى إلا بشر مثلكم يأكل من جنس طعامكم، ويشرب من جنس شرابكم.(33)
وَلَئِن أَطَعتُم بَشَرًا مِثلَكُم إِنَّكُم إِذًا لَخٰسِرونَ(34)
ولئن اتبعتم فردًا مثلكم إنكم إذًا لخاسرون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه.(34)
أَيَعِدُكُم أَنَّكُم إِذا مِتُّم وَكُنتُم تُرابًا وَعِظٰمًا أَنَّكُم مُخرَجونَ(35)
كيف تُصَدِّقون ما يَعِدُكم به من أنكم إذا متُّم، وصرتم ترابًا وعظامًا مفتتة، تُخْرَجون من قبوركم أحياء؟(35)
۞ هَيهاتَ هَيهاتَ لِما توعَدونَ(36)
بعيد حقًا ما توعدون به أيها القوم من أنكم بعد موتكم تُخْرَجون أحياء من قبوركم.(36)
إِن هِىَ إِلّا حَياتُنَا الدُّنيا نَموتُ وَنَحيا وَما نَحنُ بِمَبعوثينَ(37)
ما حياتنا إلا في هذه الدنيا، يموت الآباء منا ويحيا الأبناء، وما نحن بمخرجين أحياء مرة أخرى.(37)
إِن هُوَ إِلّا رَجُلٌ افتَرىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَما نَحنُ لَهُ بِمُؤمِنينَ(38)
وما هذا الداعي لكم إلى الإيمان إلا رجل اختلق على الله كذبًا، ولسنا بمصدقين ما قاله لنا.(38)
قالَ رَبِّ انصُرنى بِما كَذَّبونِ(39)
فدعا رسولهم ربه قائلا رب انصرني عليهم بسبب تكذيبهم لي.(39)
قالَ عَمّا قَليلٍ لَيُصبِحُنَّ نٰدِمينَ(40)
وقال الله مجيبًا لدعوته: عمَّا قليل ليصبحُنَّ نادمين، أي: بعد زمن قريب سيصير هؤلاء المكذبون نادمين.(40)
فَأَخَذَتهُمُ الصَّيحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلنٰهُم غُثاءً ۚ فَبُعدًا لِلقَومِ الظّٰلِمينَ(41)
ولم يلبثوا أن جاءتهم صيحة شديدة مع ريح، أهلكهم الله بها، فماتوا جميعًا، وأصبحوا كغثاء السيل الذي يطفو على الماء، فهلاكًا لهؤلاء الظالمين وبُعْدًا لهم من رحمة الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم، فيحل بهم ما حل بسابقيهم.(41)
ثُمَّ أَنشَأنا مِن بَعدِهِم قُرونًا ءاخَرينَ(42)
ثم أنشأنا من بعد هؤلاء المكذبين أممًا وخلائق آخرين كأقوام: لوط وشعيب وأيوب ويونس صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.(42)
ما تَسبِقُ مِن أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَستَـٔخِرونَ(43)
ما تتقدم أي أمة من هذه الأمم المكذبة الوقت المحدد لهلاكها، ولا تتأخر عنه.(43)
ثُمَّ أَرسَلنا رُسُلَنا تَترا ۖ كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسولُها كَذَّبوهُ ۚ فَأَتبَعنا بَعضَهُم بَعضًا وَجَعَلنٰهُم أَحاديثَ ۚ فَبُعدًا لِقَومٍ لا يُؤمِنونَ(44)
ثم أرسلنا رسلنا إلى تلك الأمم يتبع بعضهم بعضًا، كلما دعا رسول أمته كذبوه، فأتبعنا بعضهم بعضًا بالهلاك والدمار، ولم يَبْقَ إلا أخبار هلاكهم، وجعلناها أحاديث لمن بعدهم، يتخذونها عبرة، فهلاكًا وسُحْقًا لقوم لا يصدقون الرسل ولا يطيعونهم.(44)
ثُمَّ أَرسَلنا موسىٰ وَأَخاهُ هٰرونَ بِـٔايٰتِنا وَسُلطٰنٍ مُبينٍ(45)
ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا التسع وهي: العصا واليد والجراد والقُمَّل والضفادع والدم والطوفان والسنون ونقص من الثمرات، حجةً بيِّنة تقهر القلوب فتنقاد لها قلوب المؤمنين، وتقوم الحجة على المعاندين، أرسلناهما إلى فرعون حاكم "مصر" وأشراف قومه، فاستكبروا عن الإيمان بموسى وأخيه، وكانوا قومًا متطاولين على الناس قاهرين لهم بالظلم.(45)
إِلىٰ فِرعَونَ وَمَلَإِي۟هِ فَاستَكبَروا وَكانوا قَومًا عالينَ(46)
ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا التسع وهي: العصا واليد والجراد والقُمَّل والضفادع والدم والطوفان والسنون ونقص من الثمرات، حجةً بيِّنة تقهر القلوب فتنقاد لها قلوب المؤمنين، وتقوم الحجة على المعاندين، أرسلناهما إلى فرعون حاكم "مصر" وأشراف قومه، فاستكبروا عن الإيمان بموسى وأخيه، وكانوا قومًا متطاولين على الناس قاهرين لهم بالظلم.(46)
فَقالوا أَنُؤمِنُ لِبَشَرَينِ مِثلِنا وَقَومُهُما لَنا عٰبِدونَ(47)
فقالوا: أنصدِّق فَرْدَيْن مثلنا، وقومهما من بني إسرائيل تحت إمرتنا مطيعون متذللون لنا؟(47)
فَكَذَّبوهُما فَكانوا مِنَ المُهلَكينَ(48)
فكذبوهما فيما جاءا به، فكانوا من المهلكين بالغرق في البحر.(48)
وَلَقَد ءاتَينا موسَى الكِتٰبَ لَعَلَّهُم يَهتَدونَ(49)
ولقد آتينا موسى التوراة؛ ليهتدي بها قومه إلى الحق.(49)
وَجَعَلنَا ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً وَءاوَينٰهُما إِلىٰ رَبوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعينٍ(50)
وجعلنا عيسى بن مريم وأمه علامة دالة على قدرتنا؛ إذ خلقناه من غير أب، وجعلنا لهما مأوى في مكان مرتفع من الأرض، مستوٍ للاستقرار عليه، فيه خصوبة وماء جار ظاهر للعيون.(50)
يٰأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلوا مِنَ الطَّيِّبٰتِ وَاعمَلوا صٰلِحًا ۖ إِنّى بِما تَعمَلونَ عَليمٌ(51)
يا أيها الرسل كلوا من طيب الرزق الحلال، واعملوا الأعمال الصالحة، إني بما تعملون عليم، لا يخفى عليَّ شيء من أعمالكم. والخطاب في الآية عام للرسل- عليهم السلام- وأتباعهم، وفي الآية دليل على أن أكل الحلال عون على العمل الصالح، وأن عاقبة الحرام وخيمة، ومنها رد الدعاء.(51)
وَإِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنا۠ رَبُّكُم فَاتَّقونِ(52)
وإنَّ دينكم- يا معشر الأنبياء- دين واحد وهو الإسلام، وأنا ربكم فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب زواجري.(52)
فَتَقَطَّعوا أَمرَهُم بَينَهُم زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزبٍ بِما لَدَيهِم فَرِحونَ(53)
فتفرَّق الأتباع في الدين إلى أحزاب وشيع، جعلوا دينهم أديانًا بعدما أُمروا بالاجتماع، كل حزب معجب برأيه زاعم أنه على الحق وغيره على الباطل. وفي هذا تحذير من التحزب والتفرق في الدين.(53)
فَذَرهُم فى غَمرَتِهِم حَتّىٰ حينٍ(54)
فاتركهم - أيها الرسول - في ضلالتهم وجهلهم بالحق إلى أن ينزل العذاب بهم.(54)
أَيَحسَبونَ أَنَّما نُمِدُّهُم بِهِ مِن مالٍ وَبَنينَ(55)
أيظن هؤلاء الكفار أن ما نمدُّهم به من أموال وأولاد في الدنيا هو تعجيلُ خيرٍ لهم يستحقونه؟ إنما نعجل لهم الخير فتنة لهم واستدراجًا، ولكنهم لا يُحِسُّون بذلك.(55)
نُسارِعُ لَهُم فِى الخَيرٰتِ ۚ بَل لا يَشعُرونَ(56)
أيظن هؤلاء الكفار أن ما نمدُّهم به من أموال وأولاد في الدنيا هو تعجيلُ خيرٍ لهم يستحقونه؟ إنما نعجل لهم الخير فتنة لهم واستدراجًا، ولكنهم لا يُحِسُّون بذلك.(56)
إِنَّ الَّذينَ هُم مِن خَشيَةِ رَبِّهِم مُشفِقونَ(57)
إنَّ الذين هم من خشية ربهم مشفقون وَجِلون مما خوَّفهم الله تعالى به.(57)
وَالَّذينَ هُم بِـٔايٰتِ رَبِّهِم يُؤمِنونَ(58)
والذين هم يصدِّقون بآيات الله في القرآن، ويعملون بها.(58)
وَالَّذينَ هُم بِرَبِّهِم لا يُشرِكونَ(59)
والذين هم يخلصون العبادة لله وحده، ولا يشركون به غيره.(59)
وَالَّذينَ يُؤتونَ ما ءاتَوا وَقُلوبُهُم وَجِلَةٌ أَنَّهُم إِلىٰ رَبِّهِم رٰجِعونَ(60)
والذين يجتهدون في أعمال الخير والبر، وقلوبهم خائفة ألا تُقبل أعمالهم، وألا تنجيهم من عذاب ربهم إذا رجعوا إليه للحساب.(60)
أُولٰئِكَ يُسٰرِعونَ فِى الخَيرٰتِ وَهُم لَها سٰبِقونَ(61)
أولئك المجتهدون في الطاعة، دأبهم المسارعة إلى كل عمل صالح، وهم إلى الخيرات سابقون.(61)
وَلا نُكَلِّفُ نَفسًا إِلّا وُسعَها ۖ وَلَدَينا كِتٰبٌ يَنطِقُ بِالحَقِّ ۚ وَهُم لا يُظلَمونَ(62)
ولا نكلف عبدًا من عبادنا إلا بما يسعه العمل به، وأعمالهم مسطورة عندنا في كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة ينطق بالحق عليهم، ولا يُظْلم أحد منهم.(62)
بَل قُلوبُهُم فى غَمرَةٍ مِن هٰذا وَلَهُم أَعمٰلٌ مِن دونِ ذٰلِكَ هُم لَها عٰمِلونَ(63)
لكن قلوب الكفار في ضلال غامر عن هذا القرآن وما فيه، ولهم مع شركهم أعمال سيئة، يُمْهلهم الله ليعملوها، فينالوا غضب الله وعقابه.(63)
حَتّىٰ إِذا أَخَذنا مُترَفيهِم بِالعَذابِ إِذا هُم يَجـَٔرونَ(64)
حتى إذا أخذنا المترفين وأهل البطر منهم بعذابنا، إذا هم يرفعون أصواتهم يتضرعون مستغيثين.(64)
لا تَجـَٔرُوا اليَومَ ۖ إِنَّكُم مِنّا لا تُنصَرونَ(65)
فيقال لهم: لا تصرخوا، ولا تستغيثوا اليوم، إنكم لا تستطيعون نصر أنفسكم، ولا ينصركم أحد من عذاب الله.(65)
قَد كانَت ءايٰتى تُتلىٰ عَلَيكُم فَكُنتُم عَلىٰ أَعقٰبِكُم تَنكِصونَ(66)
قد كانت آيات القرآن تُقرأ عليكم؛ لتؤمنوا بها، فكنتم تنفرون من سماعها والتصديق بها، والعمل بها كما يفعل الناكص على عقبيه برجوعه إلى الوراء.(66)
مُستَكبِرينَ بِهِ سٰمِرًا تَهجُرونَ(67)
تفعلون ذلك مستكبرين على الناس بغير الحق بسبب بيت الله الحرام، تقولون: نحن أهله لا نُغْلَب فيه، وتتسامرون حوله بالسيِّئ من القول.(67)
أَفَلَم يَدَّبَّرُوا القَولَ أَم جاءَهُم ما لَم يَأتِ ءاباءَهُمُ الأَوَّلينَ(68)
أفلم يتفكروا في القرآن فيعرفوا صدقه، أم منعهم من الإيمان أنه جاءهم رسول وكتاب لم يأت أباءهم الأولين مثله، فأنكروه وأعرضوا عنه؟(68)
أَم لَم يَعرِفوا رَسولَهُم فَهُم لَهُ مُنكِرونَ(69)
أم منعهم من اتباع الحق أن رسولهم محمدًا صلى الله عليه وسلم غير معروف عندهم، فهم منكرون له؟(69)
أَم يَقولونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَل جاءَهُم بِالحَقِّ وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كٰرِهونَ(70)
بل أحسبوه مجنونًا؟ لقد كذَبوا؛ فإنما جاءهم بالقرآن والتوحيد والدين الحق، وأكثرهم كارهون للحق حسدًا وبغيًا.(70)
وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهواءَهُم لَفَسَدَتِ السَّمٰوٰتُ وَالأَرضُ وَمَن فيهِنَّ ۚ بَل أَتَينٰهُم بِذِكرِهِم فَهُم عَن ذِكرِهِم مُعرِضونَ(71)
ولو شرع الله لهم ما يوافق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومَن فيهن، بل أتيناهم بما فيه عزهم وشرفهم، وهو القرآن، فهم عنه معرضون.(71)
أَم تَسـَٔلُهُم خَرجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيرٌ ۖ وَهُوَ خَيرُ الرّٰزِقينَ(72)
بل أَمَنعهم من الإيمان أنك - أيها الرسول - تسألهم أجرًا على دعوتك لهم فبخلوا؟ لم تفعل ذلك، فإن ما عند الله من الثواب والعطاء خير، وهو خير الرازقين، فلا يَقدر أحد أن يَرزق مثل رزقه سبحانه وتعالى.(72)
وَإِنَّكَ لَتَدعوهُم إِلىٰ صِرٰطٍ مُستَقيمٍ(73)
وإنك - أيها الرسول - لتدعو قومك وغيرهم إلى دينٍ قويم، وهو دين الإسلام.(73)
وَإِنَّ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِالءاخِرَةِ عَنِ الصِّرٰطِ لَنٰكِبونَ(74)
وإن الذين لا يُصَدِّقون بالبعث والحساب، ولا يعملون لهما، عن طريق الدين القويم لمائلون إلى غيره.(74)
۞ وَلَو رَحِمنٰهُم وَكَشَفنا ما بِهِم مِن ضُرٍّ لَلَجّوا فى طُغيٰنِهِم يَعمَهونَ(75)
ولو رحمناهم وكشفنا عنهم ما بهم مِن قحط وجوع لَتمادوا في الكفر والعناد، يتحيَّرون ويتخبطون.(75)
وَلَقَد أَخَذنٰهُم بِالعَذابِ فَمَا استَكانوا لِرَبِّهِم وَما يَتَضَرَّعونَ(76)
ولقد ابتليناهم بصنوف المصائب فما خضعوا لربهم، وما دعوه خاشعين عند نزولها.(76)
حَتّىٰ إِذا فَتَحنا عَلَيهِم بابًا ذا عَذابٍ شَديدٍ إِذا هُم فيهِ مُبلِسونَ(77)
حتى إذا فتحنا عليهم بابًا من العذاب الشديد في الآخرة، إذا هم فيه آيسون من كل خير، متحيرون لا يدرون ما يصنعون.(77)
وَهُوَ الَّذى أَنشَأَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبصٰرَ وَالأَفـِٔدَةَ ۚ قَليلًا ما تَشكُرونَ(78)
وهو الذي أنشأ لكم السمع لإدراك المسموعات، والأبصار لإدراك المرئيات، والأفئدة لتفقهوا بها، ومع ذلك فشكركم لهذه النعم المتوالية عليكم قليل لا يُذْكَر.(78)
وَهُوَ الَّذى ذَرَأَكُم فِى الأَرضِ وَإِلَيهِ تُحشَرونَ(79)
وهو الذي خلق جميع الناس في الأرض، وإليه تُحشرون بعد موتكم، فيجازيكم بما عملتم من خير أو شر.(79)
وَهُوَ الَّذى يُحيۦ وَيُميتُ وَلَهُ اختِلٰفُ الَّيلِ وَالنَّهارِ ۚ أَفَلا تَعقِلونَ(80)
وهو وحده الذي يحيي من العدم، ويميت بعد الحياة، وله تعاقب الليل والنهار وتفاوتهما، أفلا تعقلون قدرته ووحدانيته؟(80)
بَل قالوا مِثلَ ما قالَ الأَوَّلونَ(81)
لكن الكفار لم يصدقوا بالبعث، بل ردَّدوا مقولة أسلافهم المنكرين.(81)
قالوا أَءِذا مِتنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظٰمًا أَءِنّا لَمَبعوثونَ(82)
قالوا: أإذا متنا وتحللت أجسامنا وعظامنا في تراب الأرض نحيا مرة أُخرى؟ هذا لا يكون ولا يُتصور.(82)
لَقَد وُعِدنا نَحنُ وَءاباؤُنا هٰذا مِن قَبلُ إِن هٰذا إِلّا أَسٰطيرُ الأَوَّلينَ(83)
لقد قيل هذا الكلام لآبائنا من قبل، كما تقوله لنا يا محمد، فلم نره حقيقة، ما هذا إلا أباطيل الأولين.(83)
قُل لِمَنِ الأَرضُ وَمَن فيها إِن كُنتُم تَعلَمونَ(84)
قل لهم: لمن هذه الأرض ومَن فيها إن كان لديكم علم؟(84)
سَيَقولونَ لِلَّهِ ۚ قُل أَفَلا تَذَكَّرونَ(85)
سيعترفون حتمًا بأنها لله، هو خالقها ومالكها، قل لهم: ألا يكون لكم في ذلك تذكُّر بأنه قادر على البعث والنشور؟(85)
قُل مَن رَبُّ السَّمٰوٰتِ السَّبعِ وَرَبُّ العَرشِ العَظيمِ(86)
قل مَن رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الذي هو أعظم المخلوقات وأعلاها؟(86)
سَيَقولونَ لِلَّهِ ۚ قُل أَفَلا تَتَّقونَ(87)
سيقولون حتمًا: هو الله، فقل لهم: أفلا تخافون عذابه إذا عبدتم غيره؟(87)
قُل مَن بِيَدِهِ مَلَكوتُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ يُجيرُ وَلا يُجارُ عَلَيهِ إِن كُنتُم تَعلَمونَ(88)
قل: مَن مالك كل شيء ومَن بيده خزائن كل شيء، ومَن يجير مَنِ استجار به، ولا يقدر أحد أن يُجير ويحمي مَن أراد الله إهلاكه، ولا يدفع الشر الذي قدَّره الله، إن كنتم تعلمون ذلك؟(88)
سَيَقولونَ لِلَّهِ ۚ قُل فَأَنّىٰ تُسحَرونَ(89)
سيجيبون: بأن ذلك كلَّه لله، قل لهم: كيف تذهب عقولكم وتُخْدَعون وتُصْرفون عن توحيد الله وطاعته، وتصديق أمر البعث والنشور؟(89)
بَل أَتَينٰهُم بِالحَقِّ وَإِنَّهُم لَكٰذِبونَ(90)
بل أتينا هؤلاء المنكرين بالحق فيما أرسلنا به محمدًا صلى الله عليه وسلم، وإنهم لَكاذبون في شركهم وإنكارهم البعث.(90)
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِن إِلٰهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعضُهُم عَلىٰ بَعضٍ ۚ سُبحٰنَ اللَّهِ عَمّا يَصِفونَ(91)
لم يجعل الله لنفسه ولدًا، ولم يكن معه من معبود آخر؛ لأنه لو كان ثمة أكثر مِن معبود لانفرد كل معبود بمخلوقاته، ولكان بينهم مغالبة كشأن ملوك الدنيا، فيختلُّ نظام الكون، تنزَّه الله سبحانه وتعالى وتقدَّس عن وصفهم له بأن له شريكًا أو ولدًا.(91)
عٰلِمِ الغَيبِ وَالشَّهٰدَةِ فَتَعٰلىٰ عَمّا يُشرِكونَ(92)
هو وحده يعلم ما غاب عن خلقه وما شاهدوه، فتنزَّه الله تعالى عن الشريك الذي يزعمون.(92)
قُل رَبِّ إِمّا تُرِيَنّى ما يوعَدونَ(93)
قل - أيها الرسول -: ربِّ إما ترينِّي في هؤلاء المشركين ما تَعِدُهم مِن عذابك فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين الظالمين، ولكن اجعلني ممن رضيتَ عنهم.(93)
رَبِّ فَلا تَجعَلنى فِى القَومِ الظّٰلِمينَ(94)
قل - أيها الرسول -: ربِّ إما ترينِّي في هؤلاء المشركين ما تَعِدُهم مِن عذابك فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين الظالمين، ولكن اجعلني ممن رضيتَ عنهم.(94)
وَإِنّا عَلىٰ أَن نُرِيَكَ ما نَعِدُهُم لَقٰدِرونَ(95)
وإننا لَقادرون على أن نريك ما نَعِدُهم من العذاب.(95)
ادفَع بِالَّتى هِىَ أَحسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحنُ أَعلَمُ بِما يَصِفونَ(96)
إذا أساء إليك أعداؤك - أيها الرسول - بالقول أو الفعل فلا تقابلهم بالإساءة، ولكن ادفع إساءتهم بالإحسان منك إليهم، نحن أعلم بما يصفه هؤلاء المشركون من الشرك والتكذيب، وسنجازيهم عليه أسوأ الجزاء.(96)
وَقُل رَبِّ أَعوذُ بِكَ مِن هَمَزٰتِ الشَّيٰطينِ(97)
وقل - أيها النبي -: رب أستجير بك من إغواء الشياطين ووسوستها، المغرية على الباطل والفساد والصد عن الحق، وأستجير بك- يا رب- مِن حضورهم في شيء من أموري.(97)
وَأَعوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحضُرونِ(98)
وقل - أيها النبي -: رب أستجير بك من إغواء الشياطين ووسوستها، المغرية على الباطل والفساد والصد عن الحق، وأستجير بك- يا رب- مِن حضورهم في شيء من أموري.(98)
حَتّىٰ إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قالَ رَبِّ ارجِعونِ(99)
يخبر الله تعالى عن حال المحتضر من الكافرين أو المفرطين في أمره تعالى، حتى إذا أشرف على الموت، وشاهد ما أُعِدَّ له من العذاب قال: رب ردُّوني إلى الدنيا.(99)
لَعَلّى أَعمَلُ صٰلِحًا فيما تَرَكتُ ۚ كَلّا ۚ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها ۖ وَمِن وَرائِهِم بَرزَخٌ إِلىٰ يَومِ يُبعَثونَ(100)
لعلي أستدرك ما ضيَّعْتُ من الإيمان والطاعة. ليس له ذلك، فلا يجاب إلى ما طلب ولا يُمْهَل. فإنما هي كلمة هو قائلها قولا لا ينفعه، وهو فيه غير صادق، فلو رُدَّ إلى الدنيا لعاد إلى ما نُهي عنه، وسيبقى المتوفَّون في الحاجز والبَرْزخ الذي بين الدنيا والآخرة إلى يوم البعث والنشور.(100)
فَإِذا نُفِخَ فِى الصّورِ فَلا أَنسابَ بَينَهُم يَومَئِذٍ وَلا يَتَساءَلونَ(101)
فإذا كان يوم القيامة، ونفخ المَلَك المكلَّف في "القرن"، وبُعِثَ الناس من قبورهم، فلا تَفاخُرَ بالأنساب حينئذ كما كانوا يفتخرون بها في الدنيا، ولا يسأل أحد أحدًا.(101)
فَمَن ثَقُلَت مَوٰزينُهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ المُفلِحونَ(102)
فمن كثرت حسناته وثَقُلَتْ بها موازين أعماله عند الحساب، فأولئك هم الفائزون بالجنة.(102)
وَمَن خَفَّت مَوٰزينُهُ فَأُولٰئِكَ الَّذينَ خَسِروا أَنفُسَهُم فى جَهَنَّمَ خٰلِدونَ(103)
ومن قَلَّتْ حسناته في الميزان، ورجحت سيئاته، وأعظمها الشرك، فأولئك هم الذين خابوا وخسروا أنفسهم، في نار جهنم خالدون.(103)
تَلفَحُ وُجوهَهُمُ النّارُ وَهُم فيها كٰلِحونَ(104)
تَحْرقُ النار وجوههم، وهم فيها عابسون تَقَلَّصَتْ شفاههم، وبرزت أسنانهم.(104)
أَلَم تَكُن ءايٰتى تُتلىٰ عَلَيكُم فَكُنتُم بِها تُكَذِّبونَ(105)
يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا، فكنتم بها تكذبون؟(105)
قالوا رَبَّنا غَلَبَت عَلَينا شِقوَتُنا وَكُنّا قَومًا ضالّينَ(106)
لما بلَّغتهم رسلهم وأنذرتهم قالوا يوم القيامة: ربنا غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا المقدَّرة علينا في سابق علمك، وكنا في فعلنا ضالين عن الهدى.(106)
رَبَّنا أَخرِجنا مِنها فَإِن عُدنا فَإِنّا ظٰلِمونَ(107)
ربنا أخرجنا من النار، وأعدنا إلى الدنيا، فإن رجعنا إلى الضلال فإنا ظالمون نستحق العقوبة.(107)
قالَ اخسَـٔوا فيها وَلا تُكَلِّمونِ(108)
قال الله عز وجل لهم: امكثوا في النار أذلاء ولا تخاطبوني. فانقطع عند ذلك دعاؤهم ورجاؤهم.(108)
إِنَّهُ كانَ فَريقٌ مِن عِبادى يَقولونَ رَبَّنا ءامَنّا فَاغفِر لَنا وَارحَمنا وَأَنتَ خَيرُ الرّٰحِمينَ(109)
إنه كان فريق من عبادي- وهم المؤمنون- يَدْعون: ربنا آمنا فاستر ذنوبنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين.(109)
فَاتَّخَذتُموهُم سِخرِيًّا حَتّىٰ أَنسَوكُم ذِكرى وَكُنتُم مِنهُم تَضحَكونَ(110)
فاشتغلتم بالاستهزاء بهم حتى نسيتم ذكر الله، فبقيتم على تكذيبكم، وقد كنتم تضحكون منهم سخرية واستهزاء.(110)
إِنّى جَزَيتُهُمُ اليَومَ بِما صَبَروا أَنَّهُم هُمُ الفائِزونَ(111)
إني جزيت هذا الفريق من عبادي المؤمنين الفوز بالجنة؛ بسبب صبرهم على الأذى وطاعة الله.(111)
قٰلَ كَم لَبِثتُم فِى الأَرضِ عَدَدَ سِنينَ(112)
ويُسْألُ الأشقياء في النار: كم بقيتم في الدنيا من السنين؟ وكم ضيَّعتم فيها من طاعة الله؟(112)
قالوا لَبِثنا يَومًا أَو بَعضَ يَومٍ فَسـَٔلِ العادّينَ(113)
قالوا لِهول الموقف وشدة العذاب: بقينا فيها يومًا أو بعض يوم، فاسأل الحُسَّاب الذين يعدُّون الشهور والأيام.(113)
قٰلَ إِن لَبِثتُم إِلّا قَليلًا ۖ لَو أَنَّكُم كُنتُم تَعلَمونَ(114)
قال لهم: ما لبثتم إلا وقتًا قليلا لو صبرتم فيه على طاعة الله لفزتم بالجنة، لو كان عندكم علم بذلك؛ وذلك لأن مدة مكثهم في الدنيا قليلة جدا بالنسبة إلى طول مدتهم خالدين في النار.(114)
أَفَحَسِبتُم أَنَّما خَلَقنٰكُم عَبَثًا وَأَنَّكُم إِلَينا لا تُرجَعونَ(115)
أفحسبتم- أيها الخلق- أنما خلقناكم مهملين، لا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب، وأنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة للحساب والجزاء؟(115)
فَتَعٰلَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ۖ لا إِلٰهَ إِلّا هُوَ رَبُّ العَرشِ الكَريمِ(116)
فتعالى الله الملك المتصرف في كل شيء، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، وكل شيء منه حق، وتَقَدَّس عن أن يخلق شيئًا عبثًا أو سفهًا، لا إله غيره ربُّ العرشِ الكريمِ، الذي هو أعظم المخلوقات.(116)
وَمَن يَدعُ مَعَ اللَّهِ إِلٰهًا ءاخَرَ لا بُرهٰنَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لا يُفلِحُ الكٰفِرونَ(117)
ومن يعبد مع الله الواحد إلهًا آخر، لا حجة له على استحقاقه العبادة، فإنما جزاؤه على عمله السيِّئ عند ربه في الآخرة. إنه لا فلاح ولا نجاة للكافرين يوم القيامة.(117)
وَقُل رَبِّ اغفِر وَارحَم وَأَنتَ خَيرُ الرّٰحِمينَ(118)
وقل- أيها النبي-: ربِّ تجاوَزْ عن الذنوب وارحم؛ وأنت خير من رحم ذا ذنب، فقبل توبته ولم يعاقبه على ذنبه.(118)