Yunus( يونس)
Original,King Fahad Quran Complex(الأصلي,مجمع الملك فهد القرآن)
show/hide
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti(تفسير الجلالين)
show/hide
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ الر ۚ تِلكَ ءايٰتُ الكِتٰبِ الحَكيمِ(1)
«الر» الله أعلم بمراده بذلك «تلك» أي هذه الآيات «آيات الكتاب» القرآن والإضافة بمعنى من «الحكيم» المحكم.(1)
أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَن أَوحَينا إِلىٰ رَجُلٍ مِنهُم أَن أَنذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذينَ ءامَنوا أَنَّ لَهُم قَدَمَ صِدقٍ عِندَ رَبِّهِم ۗ قالَ الكٰفِرونَ إِنَّ هٰذا لَسٰحِرٌ مُبينٌ(2)
«أكان للناس» أي أهل مكة، استفهام إنكار والجار والمجرور حال من قوله «عَجبا» بالنصب خبر كان، وبالرفع اسمها والخبر وهو اسمها على الأولى «أن أوحينا» أي إيحاؤنا «إلى رجل منهم» محمد «أن» مفسرة «أنذر» خوِّف «الناس» الكافرين بالعذاب «وبشر الذين آمنوا أن» أي بأن «لهم قدم» سلف «صدق عند ربهم» أي أجرا حسناً بما قدموه من الأعمال «قال الكافرون إن هذا» القرآن المشتمل على ذلك «لَسِحْرٌ مبين» بيِّن، وفي قراءة لَساحرٌ، والمشار إليه النبي.(2)
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذى خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالأَرضَ فى سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استَوىٰ عَلَى العَرشِ ۖ يُدَبِّرُ الأَمرَ ۖ ما مِن شَفيعٍ إِلّا مِن بَعدِ إِذنِهِ ۚ ذٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم فَاعبُدوهُ ۚ أَفَلا تَذَكَّرونَ(3)
«إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام» من أيام الدنيا، أي في قدرها، لأنه لم يكن ثَم شمس ولا قمر، ولو شاء لخلقهن في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت «ثم استوى على العرش» استواءً يليق به «يدبر الأمر» بين الخلائق «ما من» صلة «شفيع» يشفع لأحد «إلا من بعد إذنه» رد لقولهم إن الأصنام تشفع لهم «ذلكم» الخالق المدبر «الله ربكم فاعبدوه» وحدوه «أفلا تذَّكرون» بإدغام التاء في الأصل في الذال.(3)
إِلَيهِ مَرجِعُكُم جَميعًا ۖ وَعدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُ يَبدَؤُا۟ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُهُ لِيَجزِىَ الَّذينَ ءامَنوا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ بِالقِسطِ ۚ وَالَّذينَ كَفَروا لَهُم شَرابٌ مِن حَميمٍ وَعَذابٌ أَليمٌ بِما كانوا يَكفُرونَ(4)
«إليه» تعالى «مرجعكم وعد الله حقا» مصدران منصوبان بفعلهما المقدر «إنه» بالكسر استئنافاً والفتح على تقدير اللام «يبدأ الخلق» أي بدأه بالإنشاء «ثم يعيده» بالبعث «ليجزي» يثيب «الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم» ماء بالغ نهاية الحرارة «وعذاب أليم» مؤلم «بما كانوا يكفرون» أي بسبب كفرهم.(4)
هُوَ الَّذى جَعَلَ الشَّمسَ ضِياءً وَالقَمَرَ نورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعلَموا عَدَدَ السِّنينَ وَالحِسابَ ۚ ما خَلَقَ اللَّهُ ذٰلِكَ إِلّا بِالحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الءايٰتِ لِقَومٍ يَعلَمونَ(5)
«هو الذي جعل الشمس ضياءً» ذات ضياء، أي نور «والقمر نورا وقدره» من حيث سيره «منازل» ثمانية وعشرين منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، أو ليلة إن كان تسعة وعشرين يوما «لتعلموا» بذلك «عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك» المذكور «إلا بالحق» لا عبثا تعالى عن ذلك «يفصل» بالياء والنون يبين «الآيات لقوم يعلمون» يتدبرون.(5)
إِنَّ فِى اختِلٰفِ الَّيلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِى السَّمٰوٰتِ وَالأَرضِ لَءايٰتٍ لِقَومٍ يَتَّقونَ(6)
«إن في اختلاف الليل والنهار» بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان «وما خلق الله في السماوات» من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك «و» في «الأرض» من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغيرها «لآيات» دلالات على قدرته تعالى «لقوم يتقونـ» ـه فيؤمنون، خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بها.(6)
إِنَّ الَّذينَ لا يَرجونَ لِقاءَنا وَرَضوا بِالحَيوٰةِ الدُّنيا وَاطمَأَنّوا بِها وَالَّذينَ هُم عَن ءايٰتِنا غٰفِلونَ(7)
«إن الذين لا يرجون لقاءنا» بالبعث «ورضوا بالحياة الدنيا» بدل الآخرة لإنكارهم لها «واطمأنوا بها» سكنوا إليها «والذين هم عن آياتنا» دلائل وحدانيتنا «غافلون» تاركون النظر فيها.(7)
أُولٰئِكَ مَأوىٰهُمُ النّارُ بِما كانوا يَكسِبونَ(8)
«أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون» من الشرك والمعاصي.(8)
إِنَّ الَّذينَ ءامَنوا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ يَهديهِم رَبُّهُم بِإيمٰنِهِم ۖ تَجرى مِن تَحتِهِمُ الأَنهٰرُ فى جَنّٰتِ النَّعيمِ(9)
«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم» يرشدهم «ربهم بإيمانهم» به بأن يجعل لهم نورا يهتدون به يوم القيامة «تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم».(9)
دَعوىٰهُم فيها سُبحٰنَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُم فيها سَلٰمٌ ۚ وَءاخِرُ دَعوىٰهُم أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العٰلَمينَ(10)
«دعواهم فيها» طلبهم يشتهونه في الجنة أن يقولوا «سبحانك اللهم» أي يا الله فإذا ما طلبوه وجدوه بين أيديهم «وتحيتهم» فيما بينهم «فيها سلام وآخر دعواهم أن» مفسرة «الحمد لله رب العالمين» ونزل لما استعجل المشركون العذاب.(10)
۞ وَلَو يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ استِعجالَهُم بِالخَيرِ لَقُضِىَ إِلَيهِم أَجَلُهُم ۖ فَنَذَرُ الَّذينَ لا يَرجونَ لِقاءَنا فى طُغيٰنِهِم يَعمَهونَ(11)
«ولو يُعَجِل الله للناس الشر استعجالهم» أي كاستعجالهم «بالخير لقضي» بالبناء للمفعول وللفاعل «إليهم أجلُهم» بالرفع والنصب، بأن يهلكهم ولكن يمهلهم «فَنَذَرُ» نترك «الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون» يترددون متحيرين.(11)
وَإِذا مَسَّ الإِنسٰنَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنبِهِ أَو قاعِدًا أَو قائِمًا فَلَمّا كَشَفنا عَنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَم يَدعُنا إِلىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ ۚ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلمُسرِفينَ ما كانوا يَعمَلونَ(12)
«وإذا مس الإنسان» الكافر «الضُّرُّ» المرض والفقر «دعانا لجنبه» أي مضطجعا «أو قاعدا أو قائما» أي في كل حال «فلما كشفنا عنه ضُره مرَّ» على كفره «كأن» مخففة واسمها محذوف، أي كأنه «لم يدعنا إلى ضرٍّ مسه كذلك» كما زُيّن له الدعاء عند الضرر والإعراض عند الرخاء «زُيِّن للمسرفين» المشركين «ما كانوا يعملون».(12)
وَلَقَد أَهلَكنَا القُرونَ مِن قَبلِكُم لَمّا ظَلَموا ۙ وَجاءَتهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّنٰتِ وَما كانوا لِيُؤمِنوا ۚ كَذٰلِكَ نَجزِى القَومَ المُجرِمينَ(13)
«ولقد أهلكنا القرون» الأمم «من قبلكم» يا أهل مكة «لما ظلموا» بالشرك «و» قد «جاءتهم رسلهم بالبينات» الدالات على صدقهم «وما كانوا ليؤمنوا» عطف على ظلموا «كذلك» كما أهلكنا أولئك «نجزي القوم المجرمين» الكافرين.(13)
ثُمَّ جَعَلنٰكُم خَلٰئِفَ فِى الأَرضِ مِن بَعدِهِم لِنَنظُرَ كَيفَ تَعمَلونَ(14)
«ثم جعلناكم» يا أهل مكة «خلائف» جمع خليفة «في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون» فيها وهل تعتبرون بهم فتصدقوا رسلنا.(14)
وَإِذا تُتلىٰ عَلَيهِم ءاياتُنا بَيِّنٰتٍ ۙ قالَ الَّذينَ لا يَرجونَ لِقاءَنَا ائتِ بِقُرءانٍ غَيرِ هٰذا أَو بَدِّلهُ ۚ قُل ما يَكونُ لى أَن أُبَدِّلَهُ مِن تِلقائِ نَفسى ۖ إِن أَتَّبِعُ إِلّا ما يوحىٰ إِلَىَّ ۖ إِنّى أَخافُ إِن عَصَيتُ رَبّى عَذابَ يَومٍ عَظيمٍ(15)
«وإذا تُتلى عليهم آياتنا» القرآن «بينات» ظاهرات حال «قال الذين لا يرجون لقاءنا» لا يخافون البعث «ائت بقرآن غير هذا» ليس فيه عيب آلهتنا «أو بدله» من تلقاء نفسك «قل» لهم «ما يكون» ينبغي «لي أن أبدله من تلقاء» قبل «نفسي إن» ما «أتبع إلا ما يوحي إليّ إني أخاف إن عصيت ربي» بتبديله «عذاب يوم عظيم» هو يوم القيامة.(15)
قُل لَو شاءَ اللَّهُ ما تَلَوتُهُ عَلَيكُم وَلا أَدرىٰكُم بِهِ ۖ فَقَد لَبِثتُ فيكُم عُمُرًا مِن قَبلِهِ ۚ أَفَلا تَعقِلونَ(16)
«قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم» أعلمكم «به» ولا نافية عطف على ما قبله، وفي قراءة بلام جواب لو أي لأعلمكم به على لسان غيري «فقد لبثت» مكثت «فيكم عمرا» سنينا أربعين «من قبله» لا أحدثكم بشيء «أفلا تعقلون» أنه ليس من قِبَلي.(16)
فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَو كَذَّبَ بِـٔايٰتِهِ ۚ إِنَّهُ لا يُفلِحُ المُجرِمونَ(17)
«فمن» أي لا أحد «أظلم ممن افترى على الله كذبا» بنسبة الشريك إليه «أو كذَّب بآياته» القرآن «إنه» أي الشأن «لا يفلح» يسعد «المجرمون» المشركون.(17)
وَيَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُم وَلا يَنفَعُهُم وَيَقولونَ هٰؤُلاءِ شُفَعٰؤُنا عِندَ اللَّهِ ۚ قُل أَتُنَبِّـٔونَ اللَّهَ بِما لا يَعلَمُ فِى السَّمٰوٰتِ وَلا فِى الأَرضِ ۚ سُبحٰنَهُ وَتَعٰلىٰ عَمّا يُشرِكونَ(18)
«ويعبدون من دون الله» أي غيره «ما لا يضرهم» إن لم يعبدوه «ولا ينفعهم» إن عبدوه وهو الأصنام «ويقولون» عنها «هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل» لهم «أتنبئون الله» جبروته «بما لا يعلم في السموات والأرض» استفهام إنكار إذ لو كان له شريك لعلمه، إذا لا يخفى عليه شيء «سبحانه» تنزيها له «وتعالى عما يشركونـ» به معه.(18)
وَما كانَ النّاسُ إِلّا أُمَّةً وٰحِدَةً فَاختَلَفوا ۚ وَلَولا كَلِمَةٌ سَبَقَت مِن رَبِّكَ لَقُضِىَ بَينَهُم فيما فيهِ يَختَلِفونَ(19)
«وما كان الناس إلا أمة واحدة» على دين واحد وهو الإسلام، من لدن آدم إلى نوح، وقيل من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحيِّ «فاختلفوا» بأن ثبت بعض وكفر بعض «ولولا كلمة سبقت من ربك» بتأخير الجزاء إلى يوم القيامة «لقضي بينهم» أي الناس في الدنيا «فيما فيه يختلفون» من الدين بتعذيب الكافرين.(19)
وَيَقولونَ لَولا أُنزِلَ عَلَيهِ ءايَةٌ مِن رَبِّهِ ۖ فَقُل إِنَّمَا الغَيبُ لِلَّهِ فَانتَظِروا إِنّى مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرينَ(20)
«ويقولون» أي أهل مكة «لولا» هلا «أنزل عليه» على محمد «آية من ربه» كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد «فقل» لهم «إنما الغيب» ما غاب عن العباد أي أمره «لله» ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو وإنما عليَّ التبليغ «فانتظروا» العذاب إن لم تؤمنوا «إني معكم من المنتظرين».(20)
وَإِذا أَذَقنَا النّاسَ رَحمَةً مِن بَعدِ ضَرّاءَ مَسَّتهُم إِذا لَهُم مَكرٌ فى ءاياتِنا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسرَعُ مَكرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنا يَكتُبونَ ما تَمكُرونَ(21)
«وإذا أذقنا الناس» أي كفار مكة «رحمة» مطرا وخصبا «من بعد ضراء» بؤس وجدب «مستهم إذا لهم مكر في آياتنا» بالاستهزاء والتكذيب «قل» لهم «الله أسرع مكراً» مجازاة «إن رسلنا» الحفظة «يكتبون ما تمكرون» بالتاء والياء.(21)
هُوَ الَّذى يُسَيِّرُكُم فِى البَرِّ وَالبَحرِ ۖ حَتّىٰ إِذا كُنتُم فِى الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم بِريحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحوا بِها جاءَتها ريحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ المَوجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وَظَنّوا أَنَّهُم أُحيطَ بِهِم ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخلِصينَ لَهُ الدّينَ لَئِن أَنجَيتَنا مِن هٰذِهِ لَنَكونَنَّ مِنَ الشّٰكِرينَ(22)
«هو الذي يسيركم» وفي قراءة ينشركم «في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك» السفن «وجرين بهم بريح» وجرين فيه التفات عن الخطاب بريح طيبة» لينة «وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف» شديد الهبوب تكسر كل شيء «وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم» أي أهلكوا «دعوا الله مخلصين له الدين» الدعاء «لئن» لام قسم «أنجيتنا من هذه» الأهوال «لنكونن من الشاكرين» الموحدين.(22)
فَلَمّا أَنجىٰهُم إِذا هُم يَبغونَ فِى الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ ۗ يٰأَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغيُكُم عَلىٰ أَنفُسِكُم ۖ مَتٰعَ الحَيوٰةِ الدُّنيا ۖ ثُمَّ إِلَينا مَرجِعُكُم فَنُنَبِّئُكُم بِما كُنتُم تَعمَلونَ(23)
«فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق» بالشرك «يا أيها الناس إنما بغيكم» ظلمكم «على أنفسكم» لأن إثمه عليها هو «متاعُ الحياة الدنيا» تمتعون فيها قليلا «ثم إلينا مرجعكم» بعد الموت «فننبئكم بما كنتم تعملون» فنجاريكم عليه وفي قراءة بنصب متاع: أي تتمتعون.(23)
إِنَّما مَثَلُ الحَيوٰةِ الدُّنيا كَماءٍ أَنزَلنٰهُ مِنَ السَّماءِ فَاختَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرضِ مِمّا يَأكُلُ النّاسُ وَالأَنعٰمُ حَتّىٰ إِذا أَخَذَتِ الأَرضُ زُخرُفَها وَازَّيَّنَت وَظَنَّ أَهلُها أَنَّهُم قٰدِرونَ عَلَيها أَتىٰها أَمرُنا لَيلًا أَو نَهارًا فَجَعَلنٰها حَصيدًا كَأَن لَم تَغنَ بِالأَمسِ ۚ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الءايٰتِ لِقَومٍ يَتَفَكَّرونَ(24)
«إنما مَثَل» صفة «الحياة الدنيا كماء» مطر «أنزلناه من السماء فاختلط به» بسببه «نبات الأرض» واشتبك بعضه ببعض «مما يأكل الناس» من البرّ والشعير وغيرهما «والأنعام» من الكلأ «حتى إذا أخذت الأرض زخرفها» بهجتها من النبات «وازَّيَّنت» بالزهر، وأصله تزينت، أبدلت التاء زايا وأدغمت في الزاي «وظن أهلها أنهم قادرون عليها» متمكنون من تحصيل ثمارها «أتاها أمرنا» قضاؤنا أو عذابنا «ليلا أو نهارا فجعلناها» أي زرعها «حصيدا» كالمحصود بالمناجل «كأن» مخففة أي كأنها «لم تغن» تكن «بالأمس كذلك نفصَّل» نبين «الآيات لقوم يتفكرون».(24)
وَاللَّهُ يَدعوا إِلىٰ دارِ السَّلٰمِ وَيَهدى مَن يَشاءُ إِلىٰ صِرٰطٍ مُستَقيمٍ(25)
«والله يدعو إلى دار السلام» أي السلامة، وهي الجنة بالدعاء إلى الإيمان «ويهدي من يشاء» هدايته «إلى صراط مستقيم» دين الإسلام.(25)
۞ لِلَّذينَ أَحسَنُوا الحُسنىٰ وَزِيادَةٌ ۖ وَلا يَرهَقُ وُجوهَهُم قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ۚ أُولٰئِكَ أَصحٰبُ الجَنَّةِ ۖ هُم فيها خٰلِدونَ(26)
«للذين أحسنوا» بالإيمان «الحسنى» الجنة «وزيادة» هي النظر إليه تعالى كما في حديث مسلم «ولا يرهق» يغشى «وجوههم قترٌ» سواد «ولا ذلة» كآبة «أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون».(26)
وَالَّذينَ كَسَبُوا السَّيِّـٔاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثلِها وَتَرهَقُهُم ذِلَّةٌ ۖ ما لَهُم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ۖ كَأَنَّما أُغشِيَت وُجوهُهُم قِطَعًا مِنَ الَّيلِ مُظلِمًا ۚ أُولٰئِكَ أَصحٰبُ النّارِ ۖ هُم فيها خٰلِدونَ(27)
«والذين» عطف على الذين أحسنوا، أي وللذين «كسبوا السيئات» عملوا الشرك «جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من» زائدة «عاصم» مانع «كأنما أغشيت» أُلبست «وجوههم قطعا» بفتح الطاء جمع قطعة، وإسكانها جزءًا «من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».(27)
وَيَومَ نَحشُرُهُم جَميعًا ثُمَّ نَقولُ لِلَّذينَ أَشرَكوا مَكانَكُم أَنتُم وَشُرَكاؤُكُم ۚ فَزَيَّلنا بَينَهُم ۖ وَقالَ شُرَكاؤُهُم ما كُنتُم إِيّانا تَعبُدونَ(28)
«و» اذكر «يوم نحشرهم» أي الخلق «جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم» نصب بإلزموا مقدرا «أنتم» تأكيد للضمير المستتر في الفعل المقدر ليعطف عليه «وشركاؤكم» أي الأصنام «فزيَّلنا» ميزنا «بينهم» وبين المؤمنين كما في آية (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) «وقال» لهم «شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون» ما نافية وقدم المفعول للفاصلة.(28)
فَكَفىٰ بِاللَّهِ شَهيدًا بَينَنا وَبَينَكُم إِن كُنّا عَن عِبادَتِكُم لَغٰفِلينَ(29)
«فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن» مخففة أي إنا «كنا عن عبادتكم لغافلين».(29)
هُنالِكَ تَبلوا كُلُّ نَفسٍ ما أَسلَفَت ۚ وَرُدّوا إِلَى اللَّهِ مَولىٰهُمُ الحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنهُم ما كانوا يَفتَرونَ(30)
«هنالك» أي ذلك اليوم «تبلوا» من البلوى، وفي قراءة بتاءين من التلاوة «كل نفس ما أسلفت» قدمت من العمل «وردوا إلى الله مولاهم الحق» الثابت الدائم «وضل» غاب «عنهم ما كانوا يفترون» عليه من الشركاء.(30)
قُل مَن يَرزُقُكُم مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ أَمَّن يَملِكُ السَّمعَ وَالأَبصٰرَ وَمَن يُخرِجُ الحَىَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمرَ ۚ فَسَيَقولونَ اللَّهُ ۚ فَقُل أَفَلا تَتَّقونَ(31)
«قل» لهم «من يرزقكم من السماء» بالمطر «والأرض» بالنبات «أمَّن يملك السمع» بمعنى الأسماع، أي خلقها «والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبِّر الأمر» بين الخلائق «فسيقولون» هو «الله فقل» لهم «أفلا تتقونـ» ـه فتؤمنون.(31)
فَذٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ ۖ فَماذا بَعدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلٰلُ ۖ فَأَنّىٰ تُصرَفونَ(32)
«فذلكم» الفاعل لهذه الأشياء «الله ربكم الحق» الثابت «فماذا بعد الحق إلا الضلال» استفهام تقرير، أي ليس بعده غيره فمن أخطأ الحق وهو عبادة الله وقع في الضلال «فأنَّى» كيف «تُصرفون» عن الإيمان مع قيام البرهان.(32)
كَذٰلِكَ حَقَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذينَ فَسَقوا أَنَّهُم لا يُؤمِنونَ(33)
«كذلك» كما صرف هؤلاء عن الإيمان «حقَّت كلمة ربِّك على الذين فسقوا» كفروا وهي (لأملأن جهنم) الآية، أو هي «أنهم لا يؤمنون».(33)
قُل هَل مِن شُرَكائِكُم مَن يَبدَؤُا۟ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُهُ ۚ قُلِ اللَّهُ يَبدَؤُا۟ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُهُ ۖ فَأَنّىٰ تُؤفَكونَ(34)
«قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون» تصرفون عن عبادته مع قيام الدليل.(34)
قُل هَل مِن شُرَكائِكُم مَن يَهدى إِلَى الحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهدى لِلحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهدى إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدّى إِلّا أَن يُهدىٰ ۖ فَما لَكُم كَيفَ تَحكُمونَ(35)
«قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق» بنصب الحجج وخلق الاهتداء «قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق» وهو الله «أحق أنْ يُتبع أمَّن لا يهدي» يهتدي «إلا أن يهدى» أحق أن يتبع استفهام تقرير وتوبيخ، أي الأول أحق «فما لكم كيف تحكمون» هذا الحكم الفاسد من اتَّباع ما لا يحق اتباعه.(35)
وَما يَتَّبِعُ أَكثَرُهُم إِلّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغنى مِنَ الحَقِّ شَيـًٔا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ بِما يَفعَلونَ(36)
«وما يتبع أكثرهم» في عبادة الأصنام «إلا ظنا» حيث قلدوا فيه آباءهم «إن الظن لا يُغني من الحق شيئا» فيما المطلوب منه العلم «إن الله عليم بما يفعلون» فيجازيهم عليه.(36)
وَما كانَ هٰذَا القُرءانُ أَن يُفتَرىٰ مِن دونِ اللَّهِ وَلٰكِن تَصديقَ الَّذى بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ الكِتٰبِ لا رَيبَ فيهِ مِن رَبِّ العٰلَمينَ(37)
«وما كان هذا القرآن أن يُفترى» أي افتراءً «من دون الله» أي غيره «ولكن» أنزل «تصديق الذي بين يديه» من الكتب «وتفصيل الكتاب» تبيين ما كتبه الله من الأحكام وغيرها «لا ريب» شك «فيه من رب العالمين» متعلق بتصديق أو بأنزل المحذوف، وقرئ برفع تصديق وتفصيل بتقدير هو.(37)
أَم يَقولونَ افتَرىٰهُ ۖ قُل فَأتوا بِسورَةٍ مِثلِهِ وَادعوا مَنِ استَطَعتُم مِن دونِ اللَّهِ إِن كُنتُم صٰدِقينَ(38)
«أم» بل أ «يقولون افتراه» اختلقه محمد «قل فأتوا بسورة مثله» في الفصاحة والبلاغة على وجه الافتراء فإنكم عربيون فصحاء مثلي «وادعوا» للإعانة عليه «من استطعتم من دون الله» أي غيره «إن كنتم صادقين» في أنه افتراء فلم تقدروا على ذلك، قال تعالى.(38)
بَل كَذَّبوا بِما لَم يُحيطوا بِعِلمِهِ وَلَمّا يَأتِهِم تَأويلُهُ ۚ كَذٰلِكَ كَذَّبَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم ۖ فَانظُر كَيفَ كانَ عٰقِبَةُ الظّٰلِمينَ(39)
«بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه» أي القرآن ولم يتدبروه «ولما» لم «يأتهم تأويله» عاقبة ما فيه من الوعيد «كذلك» التكذيب «كذَّب الذين من قبلهم» رسلهم «فانظر كيف كان عاقبة الظالمين» بتكذيب الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فكذلك نُهلك هؤلاء.(39)
وَمِنهُم مَن يُؤمِنُ بِهِ وَمِنهُم مَن لا يُؤمِنُ بِهِ ۚ وَرَبُّكَ أَعلَمُ بِالمُفسِدينَ(40)
«ومنهم» أي أهل مكة «من يؤمن به» لعلم الله ذلك منهم «ومنهم من لا يؤمن به» أبدا «وربك أعلم بالمفسدين» تهديد لهم.(40)
وَإِن كَذَّبوكَ فَقُل لى عَمَلى وَلَكُم عَمَلُكُم ۖ أَنتُم بَريـٔونَ مِمّا أَعمَلُ وَأَنا۠ بَريءٌ مِمّا تَعمَلونَ(41)
«وإن كذبوك فقل» لهم «لي عملي ولكم عملكم» أي لكلٍّ جزاء عمله «أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعلمون» وهذا منسوخ بآية السيف.(41)
وَمِنهُم مَن يَستَمِعونَ إِلَيكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسمِعُ الصُّمَّ وَلَو كانوا لا يَعقِلونَ(42)
«ومنهم من يستمعون إليك» إذا قرأت القرآن «أ فأنت تُسمع الصم» شبههم بهم في عدم الانتفاع بما يتلى عليهم «ولو كانوا» مع الصمم «لا يعقلون» يتدبرون.(42)
وَمِنهُم مَن يَنظُرُ إِلَيكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهدِى العُمىَ وَلَو كانوا لا يُبصِرونَ(43)
(ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) شبههم بهم في عدم الاهتداء بل أعظم "" فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور "".(43)
إِنَّ اللَّهَ لا يَظلِمُ النّاسَ شَيـًٔا وَلٰكِنَّ النّاسَ أَنفُسَهُم يَظلِمونَ(44)
«إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون».(44)
وَيَومَ يَحشُرُهُم كَأَن لَم يَلبَثوا إِلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفونَ بَينَهُم ۚ قَد خَسِرَ الَّذينَ كَذَّبوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانوا مُهتَدينَ(45)
«ويوم يحشرهم كأن» أي كأنهم «لم يلبثوا» في الدنيا أو القبور «إلا ساعة من النهار» لهول ما رأوا، وجملة التشبيه حال من الضمير «يتعارفون بينهم» يعرف بعضهم بعضا إذا بعثوا ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال، والجملة حال مقدرة أو متعلق الظرف «قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله» بالبعث «وما كانوا مهتدين».(45)
وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذى نَعِدُهُم أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَينا مَرجِعُهُم ثُمَّ اللَّهُ شَهيدٌ عَلىٰ ما يَفعَلونَ(46)
«وإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة «نرينَّك بعض الذي نعدهم» به من العذاب في حياتك وجواب الشرط محذوف، أي فذاك «أو نتوفينَّك» قبل تعذيبهم «فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد» مطلع «على ما يفعلون» من تكذيبهم وكفرهم فيعذبهم أشد العذاب.(46)
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسولٌ ۖ فَإِذا جاءَ رَسولُهُم قُضِىَ بَينَهُم بِالقِسطِ وَهُم لا يُظلَمونَ(47)
«ولكل أمة» من الأمم «رسول فإذا جاء رسولهم» إليهم فكذبوه «قضي بينهم بالقسط» بالعدل فيعذبون وينجى الرسول ومن صدقه «وهم لا يظلمون» بتعذيبهم بغير جرم فكذلك نفعل بهؤلاء.(47)
وَيَقولونَ مَتىٰ هٰذَا الوَعدُ إِن كُنتُم صٰدِقينَ(48)
«ويقولون متى هذا الوعد» بالعذاب «إن كنتم صادقين» فيه.(48)
قُل لا أَملِكُ لِنَفسى ضَرًّا وَلا نَفعًا إِلّا ما شاءَ اللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذا جاءَ أَجَلُهُم فَلا يَستَـٔخِرونَ ساعَةً ۖ وَلا يَستَقدِمونَ(49)
«قل لا أملك لنفسي ضرا» أدفعه «ولا نفعا» أجلبه «إلا ما شاء الله» أن يقدرني عليه، فكيف أملك لكم حلول العذاب «لكل أمة أجل» مدة معلومة لهلاكهم «إذ جاء أجلهم فلا يستأخرون» يتأخرون عنه «ساعة ولا يستقدمون» يتقدمون عليه.(49)
قُل أَرَءَيتُم إِن أَتىٰكُم عَذابُهُ بَيٰتًا أَو نَهارًا ماذا يَستَعجِلُ مِنهُ المُجرِمونَ(50)
«قل أرأيتم» أخبروني «إن أتاكم عذابه» أي الله «بياتا» ليلا «أو نهارا ماذا» أيُّ شيء «يستعجل منه» أي العذاب «المجرمون» المشركون، فيه وضع الظاهر موضع المضمر، وجملة الاستفهام جواب الشرط: كقولك إذا أتيتك ماذا تعطيني، والمراد به التهويل أي ما أعظم ما استعجلوه.(50)
أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ ءامَنتُم بِهِ ۚ ءالـٰٔنَ وَقَد كُنتُم بِهِ تَستَعجِلونَ(51)
«أثُمَّ إذا ما وقع» حل بكم «آمنتم به» أي الله أو العذاب عند نزوله، والهمزة لإنكار التأخير فلا يقبل منكم ويقال لكم «آلآن» تؤمنون «وقد كنتم به تستعجلون» استهزاء.(51)
ثُمَّ قيلَ لِلَّذينَ ظَلَموا ذوقوا عَذابَ الخُلدِ هَل تُجزَونَ إِلّا بِما كُنتُم تَكسِبونَ(52)
«ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد» أي الذي تخلدون فيه «هل» ما «تجزون إلا» جزاء «بما كنتم تكسبون».(52)
۞ وَيَستَنبِـٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُل إى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَما أَنتُم بِمُعجِزينَ(53)
«ويستنبئونك» يستخبرونك «أحق هو» أي ما وعدتنا به من العذاب والبعث «قل إي» نعم «وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين» بفائتين العذاب.(53)
وَلَو أَنَّ لِكُلِّ نَفسٍ ظَلَمَت ما فِى الأَرضِ لَافتَدَت بِهِ ۗ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا العَذابَ ۖ وَقُضِىَ بَينَهُم بِالقِسطِ ۚ وَهُم لا يُظلَمونَ(54)
«ولو أن لكل نفس ظلمت» كفرت «ما في الأرض» جميعا من الأموال «لافتدت به» من العذاب يوم القيامة «وأسرُّوا الندامة» على ترك الإيمان «لما رأوا العذاب» أخفاها رؤساؤهم عن الضعفاء الذين أضلوهم مخافة التعيير «وقضي بينهم» بين الخلائق «بالقسط» بالعدل «وهم لا يظلمون» شيئا.(54)
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِى السَّمٰوٰتِ وَالأَرضِ ۗ أَلا إِنَّ وَعدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلٰكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَعلَمونَ(55)
«ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله» بالبعث والجزاء «حق» ثابت «ولكن أكثرهم» أي الناس «لا يعلمون» ذلك.(55)
هُوَ يُحيۦ وَيُميتُ وَإِلَيهِ تُرجَعونَ(56)
«هو يحيي ويميت وإليه ترجعون» في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم.(56)
يٰأَيُّهَا النّاسُ قَد جاءَتكُم مَوعِظَةٌ مِن رَبِّكُم وَشِفاءٌ لِما فِى الصُّدورِ وَهُدًى وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ(57)
«يا أيها الناس» أي أهل مكة «قد جاءتكم موعظة من ربكم» كتاب فيه ما لكم وما عليكم وهو القرآن «وشفاء» دواء «لما في الصدور» من العقائد الفاسدة والشكوك «وهدى» من الضلال «ورحمة للمؤمنين» به.(57)
قُل بِفَضلِ اللَّهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذٰلِكَ فَليَفرَحوا هُوَ خَيرٌ مِمّا يَجمَعونَ(58)
«قل بفضل الله» الإسلام «وبرحمته» القرآن «فبذلك» الفضل والرحمة «فليفرحوا هو خير مما يجمعون» من الدنيا بالياء والتاء.(58)
قُل أَرَءَيتُم ما أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِن رِزقٍ فَجَعَلتُم مِنهُ حَرامًا وَحَلٰلًا قُل ءاللَّهُ أَذِنَ لَكُم ۖ أَم عَلَى اللَّهِ تَفتَرونَ(59)
«قل أرأيتم» أخبروني «ما أنزل الله» خلق «لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا» كالبحيرة والسائبة والميتة «قل آلله أذن لكم» في ذلك بالتحليل والتحريم لا «أم» بل «على الله تفترون» تكذبون بنسبة ذلك إليه.(59)
وَما ظَنُّ الَّذينَ يَفتَرونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ يَومَ القِيٰمَةِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَذو فَضلٍ عَلَى النّاسِ وَلٰكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَشكُرونَ(60)
«وما ظن الذين يفترون على الله الكذب» أي أيّ شيء ظنهم به «يوم القيامة» أيحسبون أنه لا يعاقبهم لا «إن الله لذو فضل على الناس» بإمهالهم والإنعام عليهم «ولكن أكثرهم لا يشكرون».(60)
وَما تَكونُ فى شَأنٍ وَما تَتلوا مِنهُ مِن قُرءانٍ وَلا تَعمَلونَ مِن عَمَلٍ إِلّا كُنّا عَلَيكُم شُهودًا إِذ تُفيضونَ فيهِ ۚ وَما يَعزُبُ عَن رَبِّكَ مِن مِثقالِ ذَرَّةٍ فِى الأَرضِ وَلا فِى السَّماءِ وَلا أَصغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكبَرَ إِلّا فى كِتٰبٍ مُبينٍ(61)
«وما تكون» يا محمد «في شأن» أمر «وما تتلو منه» أي من الشأن أو الله «من قرآن» أنزله عليك «ولا تعملون» خاطبهُ وأمته «من عمل إلا كنا عليكم شهودا» رقباء «إذ تُفيضون» تأخذون «فيه» أي العمل «وما يَعْزُبُ» يغيب «عن ربك من مثقال» وزن «ذرة» أصغر نملة «في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» بيِّن هو اللوح المحفوظ.(61)
أَلا إِنَّ أَولِياءَ اللَّهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ(62)
«ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» في الآخرة.(62)
الَّذينَ ءامَنوا وَكانوا يَتَّقونَ(63)
هم «الذين آمنوا وكانوا يتقون» الله بامتثال أمره ونهيه.(63)
لَهُمُ البُشرىٰ فِى الحَيوٰةِ الدُّنيا وَفِى الءاخِرَةِ ۚ لا تَبديلَ لِكَلِمٰتِ اللَّهِ ۚ ذٰلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظيمُ(64)
«لهم البشرى في الحياة الدنيا» فسرت في حديث صححه الحاكم بالرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له «وفي الآخرة» الجنة والثواب «لا تبديل لكلمات الله» لا خلف لمواعيده «ذلك» المذكور «هو الفوز العظيم».(64)
وَلا يَحزُنكَ قَولُهُم ۘ إِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَميعًا ۚ هُوَ السَّميعُ العَليمُ(65)
«ولا يحزنك قولهم» لك لست مرسلا وغيره «إن» استئناف «العزة» القوة «لله جميعا هو السميع» للقول «العليم» بالفعل فيجازيهم وينصرك.(65)
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى السَّمٰوٰتِ وَمَن فِى الأَرضِ ۗ وَما يَتَّبِعُ الَّذينَ يَدعونَ مِن دونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ۚ إِن يَتَّبِعونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِن هُم إِلّا يَخرُصونَ(66)
«ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض» عبيدا وملكا وخلقا «وما يتبع الذين يدعون» يعبدون «من دون الله» أي غيره أصناما «شركاء» له على الحقيقة تعالى عن ذلك «إن» ما «يتبعون» في ذلك «إلا الظن» أي ظنهم أنها آلهة تشفع لهم «وإن» ما «هم إلا يخرصون» يكذبون في ذلك.(66)
هُوَ الَّذى جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ لِتَسكُنوا فيهِ وَالنَّهارَ مُبصِرًا ۚ إِنَّ فى ذٰلِكَ لَءايٰتٍ لِقَومٍ يَسمَعونَ(67)
«هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا» إسناد الإبصار إليه مجاز لأنه يبصر فيه «إن في ذلك لآيات» دلالات على وحدانيته تعالى «لقوم يسمعون» سماع تدبر واتعاظ.(67)
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبحٰنَهُ ۖ هُوَ الغَنِىُّ ۖ لَهُ ما فِى السَّمٰوٰتِ وَما فِى الأَرضِ ۚ إِن عِندَكُم مِن سُلطٰنٍ بِهٰذا ۚ أَتَقولونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعلَمونَ(68)
«قالوا» أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله «اتخذ الله ولدا» قال تعالى لهم «سبحانه» تنزيها له عن الولد «هو الغني» عن كل أحد وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه «له ما في السماوات وما في الأرض» ملكا وخلقا وعبيدا «إن» ما «عندكم من سلطان» حجة «بهذا» الذي تقولونه «أتقولون على الله ما لا تعلمون» استفهام توبيخ.(68)
قُل إِنَّ الَّذينَ يَفتَرونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفلِحونَ(69)
«قل إن الذين يفترون على الله الكذب» بنسبه الولد إليه «لا يفلحون» لا يسعدون.(69)
مَتٰعٌ فِى الدُّنيا ثُمَّ إِلَينا مَرجِعُهُم ثُمَّ نُذيقُهُمُ العَذابَ الشَّديدَ بِما كانوا يَكفُرونَ(70)
لهم «متاع» قليل «في الدنيا» يتمتعون به مدة حياتهم «ثم إلينا مرجعهم» بالموت «ثم نذيقهم العذاب الشديد» بعد الموت «بما كانوا يكفرون».(70)
۞ وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ نوحٍ إِذ قالَ لِقَومِهِ يٰقَومِ إِن كانَ كَبُرَ عَلَيكُم مَقامى وَتَذكيرى بِـٔايٰتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلتُ فَأَجمِعوا أَمرَكُم وَشُرَكاءَكُم ثُمَّ لا يَكُن أَمرُكُم عَلَيكُم غُمَّةً ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ وَلا تُنظِرونِ(71)
«واتل» يا محمد «عليهم» أي كفار مكة «نبأ» خبر «نوح» ويبدل منه «إذ قال لقومه يا قوم إن كان كُبر» شق «عليكم مقامي» لبثي فيكم «وتذكيري» وعظي إياكم «بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم» اعزموا على أمر تفعلونه بي «وشركاءكم» الواو بمعني مع «ثم لا يكن أمركم عليكم غُمة» مستورا بل أظهروه وجاهروني به «ثم اقضوا إليَّ» امضوا فيما أردتموه «ولا تنظرون» تمهلون فإني لست مباليا بكم.(71)
فَإِن تَوَلَّيتُم فَما سَأَلتُكُم مِن أَجرٍ ۖ إِن أَجرِىَ إِلّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرتُ أَن أَكونَ مِنَ المُسلِمينَ(72)
«فإن تولَّيتم» عن تذكيري «فما سألتكم من أجر» ثواب عليه فتولوا «إن» ما «أجري» ثوابي «إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين».(72)
فَكَذَّبوهُ فَنَجَّينٰهُ وَمَن مَعَهُ فِى الفُلكِ وَجَعَلنٰهُم خَلٰئِفَ وَأَغرَقنَا الَّذينَ كَذَّبوا بِـٔايٰتِنا ۖ فَانظُر كَيفَ كانَ عٰقِبَةُ المُنذَرينَ(73)
«فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك» السفينة «وجعلناهم» أي من معه «خلائف» في الأرض «وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا» بالطوفان «فانظر كيف كان عاقبة المنذرين» من إهلاكهم فكذلك نفعل بمن كذب.(73)
ثُمَّ بَعَثنا مِن بَعدِهِ رُسُلًا إِلىٰ قَومِهِم فَجاءوهُم بِالبَيِّنٰتِ فَما كانوا لِيُؤمِنوا بِما كَذَّبوا بِهِ مِن قَبلُ ۚ كَذٰلِكَ نَطبَعُ عَلىٰ قُلوبِ المُعتَدينَ(74)
«ثم بعثنا من بعده» أي نوح «رسلا إلى قومهم» كإبراهيم وهود وصالح «فجاءُوهم بالبينات» المعجزات «فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل» أي بعث الرسل إليهم «كذلك نطبع» نختم «على قلوب المعتدين» فلا تقبل الإيمان كما طبعنا على قلوب أولئك.(74)
ثُمَّ بَعَثنا مِن بَعدِهِم موسىٰ وَهٰرونَ إِلىٰ فِرعَونَ وَمَلَإِي۟هِ بِـٔايٰتِنا فَاستَكبَروا وَكانوا قَومًا مُجرِمينَ(75)
«ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه» قومه «بآياتنا» التسع «فاستكبروا» عن الإيمان بها «وكانوا قوما مجرمين».(75)
فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِندِنا قالوا إِنَّ هٰذا لَسِحرٌ مُبينٌ(76)
«فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إنَّ هذا لسحر مبين» بيّنّ ظاهر.(76)
قالَ موسىٰ أَتَقولونَ لِلحَقِّ لَمّا جاءَكُم ۖ أَسِحرٌ هٰذا وَلا يُفلِحُ السّٰحِرونَ(77)
«قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم» إنه لسحر «أسحر هذا» وقد أفلح من أتى به وأبطل سحر السحرة «ولا يفلح الساحرون» والاستفهام في الموضعين للإنكار.(77)
قالوا أَجِئتَنا لِتَلفِتَنا عَمّا وَجَدنا عَلَيهِ ءاباءَنا وَتَكونَ لَكُمَا الكِبرِياءُ فِى الأَرضِ وَما نَحنُ لَكُما بِمُؤمِنينَ(78)
«قالوا أجئتنا لتَلفِتَنا» لتردنا «عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء» الملك «في الأرض» أرض مصر «وما نحن لكما بمؤمنين» مصدقين.(78)
وَقالَ فِرعَونُ ائتونى بِكُلِّ سٰحِرٍ عَليمٍ(79)
«وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم» فائق في علم السحر.(79)
فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُم موسىٰ أَلقوا ما أَنتُم مُلقونَ(80)
(فلما جاء السحرة قال لهم موسى) بعد ما قالوا له "" إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين "": (ألقوا ما أنتم ملقون).(80)
فَلَمّا أَلقَوا قالَ موسىٰ ما جِئتُم بِهِ السِّحرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لا يُصلِحُ عَمَلَ المُفسِدينَ(81)
«فلما ألقوا» حبالهم وعصيهم «قال موسى ما» استفهامية مبتدأ خبره «جئتم به السحر» بدل وفي قراءة بهمزة واحدة إخبار فما اسم موصول مبتدأ «إن الله سيبطله» أي سيمحقه «إن الله لا يصلح عمل المفسدين».(81)
وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِمٰتِهِ وَلَو كَرِهَ المُجرِمونَ(82)
«ويحق» يثبت ويظهر «الله الحق بكلماته» بمواعيده «ولو كره المجرمون».(82)
فَما ءامَنَ لِموسىٰ إِلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَومِهِ عَلىٰ خَوفٍ مِن فِرعَونَ وَمَلَإِي۟هِم أَن يَفتِنَهُم ۚ وَإِنَّ فِرعَونَ لَعالٍ فِى الأَرضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ المُسرِفينَ(83)
«فما آمن لموسى إلا ذرية» طائفة «من» أولاد «قومه» أي فرعون «على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم» يصرفهم عن دينه بتعذيبه «وإن فرعون لعال» متكبر «في الأرض» أرض مصر «وإنه لمن المسرفين» المتجاوزين الحد بادعاء الربوبية.(83)
وَقالَ موسىٰ يٰقَومِ إِن كُنتُم ءامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلوا إِن كُنتُم مُسلِمينَ(84)
«وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين».(84)
فَقالوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلنا رَبَّنا لا تَجعَلنا فِتنَةً لِلقَومِ الظّٰلِمينَ(85)
«فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين» أي لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيفتتنوا بنا.(85)
وَنَجِّنا بِرَحمَتِكَ مِنَ القَومِ الكٰفِرينَ(86)
«ونجّنا برحمتك من القوم الكافرين».(86)
وَأَوحَينا إِلىٰ موسىٰ وَأَخيهِ أَن تَبَوَّءا لِقَومِكُما بِمِصرَ بُيوتًا وَاجعَلوا بُيوتَكُم قِبلَةً وَأَقيمُوا الصَّلوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ(87)
«وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّأا» اتخذا «لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة» مصلًّى تصلون فيه لتأمنوا من الخوف وكان فرعون منعهم من الصلاة «وأقيموا الصلاة» أتموها «وبشّر المؤمنين» بالنصر والجنة.(87)
وَقالَ موسىٰ رَبَّنا إِنَّكَ ءاتَيتَ فِرعَونَ وَمَلَأَهُ زينَةً وَأَموٰلًا فِى الحَيوٰةِ الدُّنيا رَبَّنا لِيُضِلّوا عَن سَبيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطمِس عَلىٰ أَموٰلِهِم وَاشدُد عَلىٰ قُلوبِهِم فَلا يُؤمِنوا حَتّىٰ يَرَوُا العَذابَ الأَليمَ(88)
«وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأهُ زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا» آتيتهم ذلك «ليضلوا» في «عن سبيلك» دينك «ربنا اطمس على أموالهم» امسخها «واشدد على قلوبهم» اطبع عليها واستوثق «فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم» المؤلم دعا عليهم وأمَّنَ هارون على دعائه.(88)
قالَ قَد أُجيبَت دَعوَتُكُما فَاستَقيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبيلَ الَّذينَ لا يَعلَمونَ(89)
«قال» تعالى «قد أجيبت دعوتكما» فمسخت أموالهم حجارة ولم يؤمن فرعون حتى أدركه الغرق «فاستقيما» على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب «ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون» في استعجال قضائي روي أنه مكث بعدها أربعين سنة.(89)
۞ وَجٰوَزنا بِبَنى إِسرٰءيلَ البَحرَ فَأَتبَعَهُم فِرعَونُ وَجُنودُهُ بَغيًا وَعَدوًا ۖ حَتّىٰ إِذا أَدرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إِلٰهَ إِلَّا الَّذى ءامَنَت بِهِ بَنوا إِسرٰءيلَ وَأَنا۠ مِنَ المُسلِمينَ(90)
«وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتْبَعَهُمْ» لحقهم «فرعون وجنود بغيا وعدوا» مفعول له «حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه» أي بأنه وفي قراءة بالكسر استئنافا «لا إله الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين» كرره ليقبل منه فلم يقبل، ودس جبريل في فيه من حمأة البحر مخافة أن تناله الرحمة، وقال له.(90)
ءالـٰٔنَ وَقَد عَصَيتَ قَبلُ وَكُنتَ مِنَ المُفسِدينَ(91)
«آلآن» تؤمن «وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين» وإضلالك عن الإيمان.(91)
فَاليَومَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكونَ لِمَن خَلفَكَ ءايَةً ۚ وَإِنَّ كَثيرًا مِنَ النّاسِ عَن ءايٰتِنا لَغٰفِلونَ(92)
«فاليوم ننجيك» نخرجك من البحر «ببدنك» جسدك الذي لا روح فيه «لتكون لمن خلفك» بعدك «آية» عبرة فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك وعن ابن عباس أن بعض بني إسرائيل شكوا في موته فأخرج لهم ليروه «وإن كثيرا من الناس» أي أهل مكة «عن آياتنا لغافلون» لا يعتبرون بها.(92)
وَلَقَد بَوَّأنا بَنى إِسرٰءيلَ مُبَوَّأَ صِدقٍ وَرَزَقنٰهُم مِنَ الطَّيِّبٰتِ فَمَا اختَلَفوا حَتّىٰ جاءَهُمُ العِلمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقضى بَينَهُم يَومَ القِيٰمَةِ فيما كانوا فيهِ يَختَلِفونَ(93)
«ولقد بوأنا» أنزلنا «بني إسرائيل مُبَوّأ صدق» منزل كرامة وهو الشام ومصر «ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا» بأن آمن بعض وكفر بعض «حتى جاءهم العلم إن ربَّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» من أمر الدين بإنجاء المؤمنين وتعذيب الكافرين.(93)
فَإِن كُنتَ فى شَكٍّ مِمّا أَنزَلنا إِلَيكَ فَسـَٔلِ الَّذينَ يَقرَءونَ الكِتٰبَ مِن قَبلِكَ ۚ لَقَد جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكونَنَّ مِنَ المُمتَرينَ(94)
(فإن كنت) يا محمد (في شك مما أنزلنا إليك) من القصص فرضاً (فاسأل الذين يقرءون الكتاب) التوراة (من قبلك) فإنه ثابت عندهم يخبروك بصدقه قال صلى الله عليه وسلم: "" لا أشك ولا أسأل "" (لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) الشاكين فيه.(94)
وَلا تَكونَنَّ مِنَ الَّذينَ كَذَّبوا بِـٔايٰتِ اللَّهِ فَتَكونَ مِنَ الخٰسِرينَ(95)
«ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين».(95)
إِنَّ الَّذينَ حَقَّت عَلَيهِم كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤمِنونَ(96)
«إن الذين حَقَّت» وجبت «عليهم كلمة ربك» بالعذاب «لا يؤمنون».(96)
وَلَو جاءَتهُم كُلُّ ءايَةٍ حَتّىٰ يَرَوُا العَذابَ الأَليمَ(97)
«ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم» فلا ينفعهم حينئذ.(97)
فَلَولا كانَت قَريَةٌ ءامَنَت فَنَفَعَها إيمٰنُها إِلّا قَومَ يونُسَ لَمّا ءامَنوا كَشَفنا عَنهُم عَذابَ الخِزىِ فِى الحَيوٰةِ الدُّنيا وَمَتَّعنٰهُم إِلىٰ حينٍ(98)
«فلولا» فهلا «كانت قرية» أريد أهلها «آمنت» قبل نزول العذاب بها «فنفعها إيمانها إلا» لكن «قوم يونس لما آمنوا» عند رؤية أمارة العذاب ولم يؤخروا إلى حلوله «كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين» انقضاء آجالهم.(98)
وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَءامَنَ مَن فِى الأَرضِ كُلُّهُم جَميعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّىٰ يَكونوا مُؤمِنينَ(99)
«ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تُكره الناس» بما لم يشأه الله منهم «حتى يكونوا مؤمنين» لا.(99)
وَما كانَ لِنَفسٍ أَن تُؤمِنَ إِلّا بِإِذنِ اللَّهِ ۚ وَيَجعَلُ الرِّجسَ عَلَى الَّذينَ لا يَعقِلونَ(100)
«وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله» بإرادته «ويجعل الرجس» العذاب «على الذين لا يعقلون» يتدبرون آيات الله.(100)
قُلِ انظُروا ماذا فِى السَّمٰوٰتِ وَالأَرضِ ۚ وَما تُغنِى الءايٰتُ وَالنُّذُرُ عَن قَومٍ لا يُؤمِنونَ(101)
«قل» لكفار مكة «انظروا ماذا» أي الذي «في السماوات والأرض» من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى «وما تغني الآيات والنذر» جمع نذير أي الرسل «عن قوم لا يؤمنون» في علم الله أي ما تنفعهم.(101)
فَهَل يَنتَظِرونَ إِلّا مِثلَ أَيّامِ الَّذينَ خَلَوا مِن قَبلِهِم ۚ قُل فَانتَظِروا إِنّى مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرينَ(102)
«فهل» فما «ينتظرون» بتكذيبك «إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم» من الأمم أي مثل وقائعهم من العذاب «قل فانتظروا» ذلك «إني معكم من المنتظرين».(102)
ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنا وَالَّذينَ ءامَنوا ۚ كَذٰلِكَ حَقًّا عَلَينا نُنجِ المُؤمِنينَ(103)
«ثم نُنجّي» المضارع لحكاية الحال الماضي «رسلنا والذين آمنوا» من العذاب «كذلك» الإنجاء «حقا علينا نُنجي المؤمنين» النبي وأصحابه حين تعذيب المشركين.(103)
قُل يٰأَيُّهَا النّاسُ إِن كُنتُم فى شَكٍّ مِن دينى فَلا أَعبُدُ الَّذينَ تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ وَلٰكِن أَعبُدُ اللَّهَ الَّذى يَتَوَفّىٰكُم ۖ وَأُمِرتُ أَن أَكونَ مِنَ المُؤمِنينَ(104)
«قل يا أيها الناس» أي أهل مكة «إن كنتم في شك من ديني» أنه حق «فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله» أي غيره، وهو الأصنام لشككم فيه «ولكن أعبد الله الذي يتوفّاكم» يقبض أرواحكم «وأمرت أن» أي بأن «أكون من المؤمنين».(104)
وَأَن أَقِم وَجهَكَ لِلدّينِ حَنيفًا وَلا تَكونَنَّ مِنَ المُشرِكينَ(105)
«و» قيل لي «أن أقمِ وجهك للدين حنيفا» مائلا إليه «ولا تكونن من المشركين».(105)
وَلا تَدعُ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظّٰلِمينَ(106)
«ولا تدع» تعبد «من دون الله ما لا ينفعك» إن عبدته «ولا يضرك» إن لم تعبده «فإن فعلت» ذلك فرضا «فإنك إذًا من الظالمين».(106)
وَإِن يَمسَسكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدكَ بِخَيرٍ فَلا رادَّ لِفَضلِهِ ۚ يُصيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ۚ وَهُوَ الغَفورُ الرَّحيمُ(107)
«وإن يَمسسك» يصبك «الله بضر» كفقر ومرض «فلا كاشف» رافع «له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد» دافع «لفضله» الذي أرادك به «يصيب به» أي بالخير «من شاء من عباده وهو الغفور الرحيم».(107)
قُل يٰأَيُّهَا النّاسُ قَد جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُم ۖ فَمَنِ اهتَدىٰ فَإِنَّما يَهتَدى لِنَفسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيها ۖ وَما أَنا۠ عَلَيكُم بِوَكيلٍ(108)
«قل يا أيها الناس» أي أهل مكة «قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه» لأن ثواب اهتدائه له «ومن ضل فإنما يضل عليها» لأن وبال ضلاله عليها «وما أنا عليكم بوكيل» فأجبركم على الهدى.(108)
وَاتَّبِع ما يوحىٰ إِلَيكَ وَاصبِر حَتّىٰ يَحكُمَ اللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيرُ الحٰكِمينَ(109)
«واتبع ما يوحى إليك» من ربِّك «واصبر» على الدعوة وأذاهم «حتى يحكم الله» فيهم بأمره «وهو خير الحاكمين» أعدَلهم، وقد صبر حتى حكم على المشركين بالقتال وأهل الكتاب بالجزية.(109)