Al-Anbiyaa( الأنبياء)
Original,King Fahad Quran Complex(الأصلي,مجمع الملك فهد القرآن)
show/hide
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti(تفسير الجلالين)
show/hide
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ اقتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُم وَهُم فى غَفلَةٍ مُعرِضونَ(1)
«اقترب» قرب «للناس» أهل مكة منكري البعث «حسابهم» يوم القيامة «وهم في غفلة» عنه «معرضون» عن التأهب له بالإيمان.(1)
ما يَأتيهِم مِن ذِكرٍ مِن رَبِّهِم مُحدَثٍ إِلَّا استَمَعوهُ وَهُم يَلعَبونَ(2)
«ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث» شيئاً فشيئاً أي لفظ قرآن «إلا استمعوه وهم يلعبون» يستهزئون.(2)
لاهِيَةً قُلوبُهُم ۗ وَأَسَرُّوا النَّجوَى الَّذينَ ظَلَموا هَل هٰذا إِلّا بَشَرٌ مِثلُكُم ۖ أَفَتَأتونَ السِّحرَ وَأَنتُم تُبصِرونَ(3)
«لاهية» غافلة «قلوبهم» عن معناه «وأسَرُّوا النجوى» الكلام «الذين ظلموا» بدل من واو «وأسروا النجوى الذين ظلموا» «هلْ هذا» أي محمد «إلا بشر مثلكم» فما يأتي به سحر «أفتأتون السحر» تتبعونه «وأنتم تبصرون» تعلمون أنه سحر.(3)
قالَ رَبّى يَعلَمُ القَولَ فِى السَّماءِ وَالأَرضِ ۖ وَهُوَ السَّميعُ العَليمُ(4)
«قال» لهم «ربي يعلم القول» كائناً «في السماء والأرض وهو السميع» لما أسروه «العليم» به.(4)
بَل قالوا أَضغٰثُ أَحلٰمٍ بَلِ افتَرىٰهُ بَل هُوَ شاعِرٌ فَليَأتِنا بِـٔايَةٍ كَما أُرسِلَ الأَوَّلونَ(5)
«بل» للانتقال من غرض إلى آخر في المواضع الثلاثة «قالوا» فيما أتى به من القرآن هو «أضغاث أحلام» أخلاط رآها في النوم «بل افتراه» اختلقه «بل هو شاعر» فما أتى به شعر «فليأتنا بآية كما أرسل الأولون» كالناقة والعصا واليد قال تعالى:(5)
ما ءامَنَت قَبلَهُم مِن قَريَةٍ أَهلَكنٰها ۖ أَفَهُم يُؤمِنونَ(6)
«ما آمنت قبلهم من قرية» أي أهلها «أهلكناها» بتكذيبها ما أتاها من الآيات «أفهم يؤمنون» لا.(6)
وَما أَرسَلنا قَبلَكَ إِلّا رِجالًا نوحى إِلَيهِم ۖ فَسـَٔلوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمونَ(7)
«وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي» وفي قراءة بالياء وفتح الحاء «إليهم» لا ملائكة «فاسألوا أهل الذكر» العلماء بالتوراة والإنجيل «إن كنتم لا تعلمون» ذلك فإنهم يعلمونه، وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد.(7)
وَما جَعَلنٰهُم جَسَدًا لا يَأكُلونَ الطَّعامَ وَما كانوا خٰلِدينَ(8)
«وما جعلناهم» أي الرسل «جسداً» بمعنى أجساداً «لا يأكلون الطعام» بل يأكلونه «وما كانوا خالدين» في الدنيا.(8)
ثُمَّ صَدَقنٰهُمُ الوَعدَ فَأَنجَينٰهُم وَمَن نَشاءُ وَأَهلَكنَا المُسرِفينَ(9)
«ثم صدقناهم الوعد» بإنجائهم «فأنجيناهم ومن نشاء» المصدقين لهم «وأهلكنا المسرفين» المكذبين لهم.(9)
لَقَد أَنزَلنا إِلَيكُم كِتٰبًا فيهِ ذِكرُكُم ۖ أَفَلا تَعقِلونَ(10)
لقد أنزلنا إليكم» يا معشر قريش «كتاباً فيه ذكركم» لأنه بلغتكم «أفلا تعقلون» فتؤمنون به.(10)
وَكَم قَصَمنا مِن قَريَةٍ كانَت ظالِمَةً وَأَنشَأنا بَعدَها قَومًا ءاخَرينَ(11)
«وكم قصمنا» أهلكنا «من قرية» أي أهلها «كانت ظالمة» كافرة «وأنشأنا بعدها قوماً آخرين».(11)
فَلَمّا أَحَسّوا بَأسَنا إِذا هُم مِنها يَركُضونَ(12)
«فلما أحسُّوا بأسنا» شعر أهل القرية بالإهلاك «إذا هم منها يركضون» يهربون مسرعين.(12)
لا تَركُضوا وَارجِعوا إِلىٰ ما أُترِفتُم فيهِ وَمَسٰكِنِكُم لَعَلَّكُم تُسـَٔلونَ(13)
فقالت لهم الملائكة استهزاء «لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم» نعمتم «فيه ومساكنكم لعلكم تسألون» شيئاً من دنياكم على العادة.(13)
قالوا يٰوَيلَنا إِنّا كُنّا ظٰلِمينَ(14)
«قالوا يا» للتنبيه «ويلنا» هلاكنا «إنا كنا ظالمين» بالكفر.(14)
فَما زالَت تِلكَ دَعوىٰهُم حَتّىٰ جَعَلنٰهُم حَصيدًا خٰمِدينَ(15)
«فما زالت تلك» الكلمات «دعواهم» يدعون بها ويرددونها «حتى جعلناهم حصيداً» كالزرع المحصود بالمناجل بأن قتلوا بالسيف «خامدين» ميتين كخمود النار إذا طفئت.(15)
وَما خَلَقنَا السَّماءَ وَالأَرضَ وَما بَينَهُما لٰعِبينَ(16)
«وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين» عابثين بل دالين على قدرتنا ونافعين عبادنا.(16)
لَو أَرَدنا أَن نَتَّخِذَ لَهوًا لَاتَّخَذنٰهُ مِن لَدُنّا إِن كُنّا فٰعِلينَ(17)
«لو أردنا أن نتخذ لهواً» ما يلهى به من زوجة أو ولد «لاتخذناه من لدنا» من عندنا من الحور العين والملائكة «إن كنا فاعلين» ذلك، لكنا لم نفعله فلم نُرده.(17)
بَل نَقذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البٰطِلِ فَيَدمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الوَيلُ مِمّا تَصِفونَ(18)
«بل نقذف» نرمي «بالحق» الإيمان «على الباطل» الكفر «فيدمغه» يذهبه «فإذا هو زاهق» ذاهب، ودمغه في الأصل: أصاب دماغه بالضرب وهو مقتل «ولكم» يا كفار مكة «الويْل» العذاب الشديد «مما تصفون» الله به من الزوجة أو الولد.(18)
وَلَهُ مَن فِى السَّمٰوٰتِ وَالأَرضِ ۚ وَمَن عِندَهُ لا يَستَكبِرونَ عَن عِبادَتِهِ وَلا يَستَحسِرونَ(19)
«وله» تعالى «من في السماوات والأرض» ملكاً «ومن عنده» أي الملائكة مبتدأ خبره «لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون» لا يعيون.(19)
يُسَبِّحونَ الَّيلَ وَالنَّهارَ لا يَفتُرونَ(20)
«يسبحون الليل والنهار لا يفترون» عنه فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل.(20)
أَمِ اتَّخَذوا ءالِهَةً مِنَ الأَرضِ هُم يُنشِرونَ(21)
«أم» بمعني بل للانتقال والهمزه للإنكار «اتخذوا آلهة» كائنة «من الأرض» كحجر وذهب وفضة «هم» أي الآلهة «ينشرون» أي يحيون الموتى؟ لا، ولا يكون إلهاً إلا من يحيي الموتى.(21)
لَو كانَ فيهِما ءالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ۚ فَسُبحٰنَ اللَّهِ رَبِّ العَرشِ عَمّا يَصِفونَ(22)
«لو كان فيهما» أي السماوات والأرض «آلهة إلا الله» أي غيره «لفسدتا» أي خرجتا عن نظامهما المشاهد، لوجود التمانع بينهم على وفق العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء وعدم الاتفاق عليه «فسبحان» تنزيه «الله رب» خالق «العرش» الكرسي «عما يصفون» الكفار الله به من الشريك له وغيره.(22)
لا يُسـَٔلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسـَٔلونَ(23)
«لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون» عن أفعالهم.(23)
أَمِ اتَّخَذوا مِن دونِهِ ءالِهَةً ۖ قُل هاتوا بُرهٰنَكُم ۖ هٰذا ذِكرُ مَن مَعِىَ وَذِكرُ مَن قَبلى ۗ بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمونَ الحَقَّ ۖ فَهُم مُعرِضونَ(24)
«أم اتخذوا من دونه» تعالى أي سواه «آلهة» فيه استفهام توبيخ «قل هاتوا برهانكم» على ذلك ولا سبيل إليه «هذا ذكر من معي» أمتي وهو القرآن «وذكر من قبلي» من الأمم وهو التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله ليس في واحد منها أن مع الله إلهاً مما قالوا، تعالى عن ذلك «بل أكثرهم لا يعلمون الحق» توحيد الله «فهم معرضون» عن النظر الموصل إليه.(24)
وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَسولٍ إِلّا نوحى إِلَيهِ أَنَّهُ لا إِلٰهَ إِلّا أَنا۠ فَاعبُدونِ(25)
«وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي» وفي قراءة بالياء وفتح الحاء «إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون» أي وحدوني.(25)
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحمٰنُ وَلَدًا ۗ سُبحٰنَهُ ۚ بَل عِبادٌ مُكرَمونَ(26)
«وقالوا اتخذ الرحمن ولداً» من الملائكة «سبحانه بل» هم «عباد مكرمون» عنده والعبودية تنافي الولادة.(26)
لا يَسبِقونَهُ بِالقَولِ وَهُم بِأَمرِهِ يَعمَلونَ(27)
«لا يسبقونه بالقول» لا يأتون بقولهم إلا بعد قوله «وهم بأمره يعملون» أي بعده.(27)
يَعلَمُ ما بَينَ أَيديهِم وَما خَلفَهُم وَلا يَشفَعونَ إِلّا لِمَنِ ارتَضىٰ وَهُم مِن خَشيَتِهِ مُشفِقونَ(28)
«يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم» ما عملوا وما هم عاملون «ولا يشفعون إلا لمن ارتضى» تعالى أن يشفع له «وهم من خشيته» تعالى «مشفقون» خائفون.(28)
۞ وَمَن يَقُل مِنهُم إِنّى إِلٰهٌ مِن دونِهِ فَذٰلِكَ نَجزيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذٰلِكَ نَجزِى الظّٰلِمينَ(29)
«ومن يقل منهم إني إله من دونه» أي الله أي غيره، وهو إبليس دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعتها «فذلك نجزيه جهنم كذلك» كما نجريه «نجزي الظالمين» المشركين.(29)
أَوَلَم يَرَ الَّذينَ كَفَروا أَنَّ السَّمٰوٰتِ وَالأَرضَ كانَتا رَتقًا فَفَتَقنٰهُما ۖ وَجَعَلنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَىٍّ ۖ أَفَلا يُؤمِنونَ(30)
«أوَلم» بواو وتركها «يرَ» يعلم «الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رَتقاً» سدا بمعنى مسدودة «ففتقناهما» جعلنا السماء سبعاً والأرض من سبعاً، أو فتق السماء أن كانت لا تمطر فأمطرت، وفتق الأرض أن كانت لا تنبت فأنبتت «وجعلنا من الماء» النازل من السماء والنابع من الأرض «كل شيء حي» من نبات وغيره أي فالماء سبب لحياته «أفلا يؤمنون» بتوحيدي.(30)
وَجَعَلنا فِى الأَرضِ رَوٰسِىَ أَن تَميدَ بِهِم وَجَعَلنا فيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُم يَهتَدونَ(31)
«وجعلنا في الأرض رواسي» جبالاً ثوابت لـ «أن» لا «تميد» تتحرك «بهم وجعلنا فيها» الرواسي «فجاجاً» مسالك «سبلاً» بدل، طرقاً نافذة واسعة «لعلهم يهتدون» إلى مقاصدهم في الأسفار.(31)
وَجَعَلنَا السَّماءَ سَقفًا مَحفوظًا ۖ وَهُم عَن ءايٰتِها مُعرِضونَ(32)
«وجلعنا السماء سقفاً» للأرض كالسقف للبيت «محفوظاً» عن الوقوع «وهم عن آياتها» من الشمس والقمر والنجوم «معرضون» لا يتفكرون فيها فيعلمون أن خالقها لا شريك له.(32)
وَهُوَ الَّذى خَلَقَ الَّيلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ ۖ كُلٌّ فى فَلَكٍ يَسبَحونَ(33)
«وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل» تنوينه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر وتابعه وهو النجوم «في فلك» مستدير كالطاحونة في السماء «يسبحون» يسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وللتشبيه به أتى بضمير جمع من يعقل.(33)
وَما جَعَلنا لِبَشَرٍ مِن قَبلِكَ الخُلدَ ۖ أَفَإِي۟ن مِتَّ فَهُمُ الخٰلِدونَ(34)
ونزل لما قال الكفار إنَّ محمداً سيموت: «وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد» البقاء في الدنيا «أفإن مت فهم الخالدون» فيها؟ لا، فالجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري.(34)
كُلُّ نَفسٍ ذائِقَةُ المَوتِ ۗ وَنَبلوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيرِ فِتنَةً ۖ وَإِلَينا تُرجَعونَ(35)
«كل نفس ذائقة الموت» في الدنيا «ونبلوكم» نختبركم «بالشر والخير» كفقر وغنى وسقم وصحة «فتنة» مفعول له، أي لننظر أتصبرون وتشكرون أم لا «وإلينا ترجعون» فنجازيكم.(35)
وَإِذا رَءاكَ الَّذينَ كَفَروا إِن يَتَّخِذونَكَ إِلّا هُزُوًا أَهٰذَا الَّذى يَذكُرُ ءالِهَتَكُم وَهُم بِذِكرِ الرَّحمٰنِ هُم كٰفِرونَ(36)
«وإذا رآك الذين كفروا إن» ما «يتخذونك إلا هزواً» أي مهزوءاً به يقولون «أهذا الذي يذكر آلهتكم» أي يعيبها «وهم بذكر الرحمن» لهم «هم» تأكيد «كافرون» به إذا قالوا ما نعرفه.(36)
خُلِقَ الإِنسٰنُ مِن عَجَلٍ ۚ سَأُو۟ريكُم ءايٰتى فَلا تَستَعجِلونِ(37)
ونزل في استعجالهم العذاب «خلق الإنسان من عجل» أي أنه لكثرة عجله في أحواله كأنه خلق منه «سأريكم آياتي» مواعيدي بالعذاب «فلا تستعجلون» فيه فأراهم القتل ببدر.(37)
وَيَقولونَ مَتىٰ هٰذَا الوَعدُ إِن كُنتُم صٰدِقينَ(38)
«ويقولون متى هذا الوعد» بالقيامة «إن كنتم صادقين» فيه.(38)
لَو يَعلَمُ الَّذينَ كَفَروا حينَ لا يَكُفّونَ عَن وُجوهِهِمُ النّارَ وَلا عَن ظُهورِهِم وَلا هُم يُنصَرونَ(39)
قال تعالى: «لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون» يدفعون «عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون» يمنعون منها في القيامة وجواب لو ما قالوا ذلك.(39)
بَل تَأتيهِم بَغتَةً فَتَبهَتُهُم فَلا يَستَطيعونَ رَدَّها وَلا هُم يُنظَرونَ(40)
«بل تأتيهم» القيامة «بغتة فتبهتهم» تحيرهم «فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون» يمهلون لتوبة أو معذرة.(40)
وَلَقَدِ استُهزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبلِكَ فَحاقَ بِالَّذينَ سَخِروا مِنهُم ما كانوا بِهِ يَستَهزِءونَ(41)
«ولقد استهزئ برسل من قبلك» فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم «فحاق» نزل «بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون» وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك.(41)
قُل مَن يَكلَؤُكُم بِالَّيلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحمٰنِ ۗ بَل هُم عَن ذِكرِ رَبِّهِم مُعرِضونَ(42)
«قل» لهم «من يكلؤكم» يحفظكم «بالليل والنهار من الرحمن» من عذابه إن نزل بكم، أي: لا أحد يفعل ذلك، والمخاطبون لا يخافون عذاب الله لإنكارهم له «بل هم عن ذكر ربهم» أي القرآن «معرضون» لا يتفكرون فيه.(42)
أَم لَهُم ءالِهَةٌ تَمنَعُهُم مِن دونِنا ۚ لا يَستَطيعونَ نَصرَ أَنفُسِهِم وَلا هُم مِنّا يُصحَبونَ(43)
«أم» فيها معنى الهمزة للإنكار: أي أ «لهم آلهة تمنعهم» مما يسوؤهم «من دوننا» أي ألَهم من يمنعهم منه غيرنا؟ لا «لا يستطيعون» أي الآلهة «نصر أنفسهم» فلا ينصرونهم «ولا هم» أي الكفار «منا» من عذابنا «يصحبون» يجارون، يقال صحبك الله: أي حفظك وأجارك.(43)
بَل مَتَّعنا هٰؤُلاءِ وَءاباءَهُم حَتّىٰ طالَ عَلَيهِمُ العُمُرُ ۗ أَفَلا يَرَونَ أَنّا نَأتِى الأَرضَ نَنقُصُها مِن أَطرافِها ۚ أَفَهُمُ الغٰلِبونَ(44)
«بل متعنا هؤلاء وآباءهم» بما أنعمنا عليهم «حتى طال عليهم العمر» فاغتروا بذلك «أفلا يرون أنا نأتي الأرض» نقصد أرضهم «ننقصها من أطرافها» بالفتح على النبي «أفهم الغالبون»؟ لا، بل النبي وأصحابه.(44)
قُل إِنَّما أُنذِرُكُم بِالوَحىِ ۚ وَلا يَسمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنذَرونَ(45)
«قل» لهم «إنما أنذركم بالوحي» من الله لا من قبل نفسي «ولا يسمع الصم الدعاء إذا» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء «ما ينذرون» هم لتركهم العمل بما سمعوه من الإنذار كالصم.(45)
وَلَئِن مَسَّتهُم نَفحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقولُنَّ يٰوَيلَنا إِنّا كُنّا ظٰلِمينَ(46)
«ولئن مستهم نفحة» وقعة خفيفة «من عذاب ربك ليقولن يا» للتنبيه «ويلنا» هلاكنا «إنا كنا ظالمين» بالإشراك وتكذيب محمد.(46)
وَنَضَعُ المَوٰزينَ القِسطَ لِيَومِ القِيٰمَةِ فَلا تُظلَمُ نَفسٌ شَيـًٔا ۖ وَإِن كانَ مِثقالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَتَينا بِها ۗ وَكَفىٰ بِنا حٰسِبينَ(47)
«ونضع الموازين القسط» ذوات العدل «ليوم القيامة» أي فيه «فلا تظلم نفس شيئاً» من نقص حسنة أو زيادة سيئة «وإن كان» العمل «مثقال» زنة «حبة من خردل أتينا بها» بموزونها «وكفى بنا حاسبين» مُحْصين كل شيء.(47)
وَلَقَد ءاتَينا موسىٰ وَهٰرونَ الفُرقانَ وَضِياءً وَذِكرًا لِلمُتَّقينَ(48)
«ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان» أي التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام «وضياءً» بها «وذكراً» عظة بها «للمتقين».(48)
الَّذينَ يَخشَونَ رَبَّهُم بِالغَيبِ وَهُم مِنَ السّاعَةِ مُشفِقونَ(49)
«الذين يخشون ربهم بالغيب» عن الناس أي في الخلاء عنهم «وهم من الساعة» أي أهوالها «مشفقون» خائفون.(49)
وَهٰذا ذِكرٌ مُبارَكٌ أَنزَلنٰهُ ۚ أَفَأَنتُم لَهُ مُنكِرونَ(50)
«وهذا» أي القرآن «ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون» الاستفهام فيه للتوبيخ.(50)
۞ وَلَقَد ءاتَينا إِبرٰهيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وَكُنّا بِهِ عٰلِمينَ(51)
«ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل» أي هداه قبل بلوغه «وكنا به عالمين» بأنه أهل لذلك.(51)
إِذ قالَ لِأَبيهِ وَقَومِهِ ما هٰذِهِ التَّماثيلُ الَّتى أَنتُم لَها عٰكِفونَ(52)
«إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل» الأصنام «التي أنتم لها عاكفون» أي على عبادتها مقيمون.(52)
قالوا وَجَدنا ءاباءَنا لَها عٰبِدينَ(53)
«قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين» فاقتدنيا بهم.(53)
قالَ لَقَد كُنتُم أَنتُم وَءاباؤُكُم فى ضَلٰلٍ مُبينٍ(54)
«قال» لهم «لقد كنتم أنتم وآباؤكم» بعبادتها «في ضلال مبين» بَيّن.(54)
قالوا أَجِئتَنا بِالحَقِّ أَم أَنتَ مِنَ اللّٰعِبينَ(55)
«قالوا أجئتنا بالحق» في قولك هذا «أم أنت من اللاعبين» فيه.(55)
قالَ بَل رَبُّكُم رَبُّ السَّمٰوٰتِ وَالأَرضِ الَّذى فَطَرَهُنَّ وَأَنا۠ عَلىٰ ذٰلِكُم مِنَ الشّٰهِدينَ(56)
«قال بل ربكم» المستحق للعبادة «رب» مالك «السماوات والأرض الذي فطرهن» خلقهن على غير مثال سبق «وأنا على ذلكم» الذي قلته «من الشاهدين» به.(56)
وَتَاللَّهِ لَأَكيدَنَّ أَصنٰمَكُم بَعدَ أَن تُوَلّوا مُدبِرينَ(57)
«وتالله لأكيدن أصنامهم بعد أن تولوا مدبرين».(57)
فَجَعَلَهُم جُذٰذًا إِلّا كَبيرًا لَهُم لَعَلَّهُم إِلَيهِ يَرجِعونَ(58)
«فجعلهم» بعد ذهابهم إلى مجتمعهم في يوم عيد لهم «جُذاذاً» بضم الجيم وكسرها: فتاتاً بفأس «إلا كبيراً لهم» علق الفأس في عنقه «لعلهم إليه» أي إلى الكبير «يرجعون» فيرون ما فعل بغيره.(58)
قالوا مَن فَعَلَ هٰذا بِـٔالِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّٰلِمينَ(59)
«قالوا» بعد رجوعهم ورؤيتهم ما فعل «من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين» فيه.(59)
قالوا سَمِعنا فَتًى يَذكُرُهُم يُقالُ لَهُ إِبرٰهيمُ(60)
«قالوا» أي بعضهم لبعض «سمعنا فتى يذكرهم» أي يعيبهم «يقال له إبراهيم».(60)
قالوا فَأتوا بِهِ عَلىٰ أَعيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُم يَشهَدونَ(61)
«قالوا فأتوا به على أعين الناس» أي ظاهراً «لعلهم يشهدون» عليه أنه الفاعل.(61)
قالوا ءَأَنتَ فَعَلتَ هٰذا بِـٔالِهَتِنا يٰإِبرٰهيمُ(62)
«قالوا» له بعد إتيانه «أأنت» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه «فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم».(62)
قالَ بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هٰذا فَسـَٔلوهُم إِن كانوا يَنطِقونَ(63)
«قال» ساكتاً عن فعله «بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم» عن فاعله «إن كانوا ينطقون» فيه تقديم جواب الشرط وفيها قبله تعرض لهم بأن الصنم المعلوم عجزه عن الفعل لا يكون إلهاً.(63)
فَرَجَعوا إِلىٰ أَنفُسِهِم فَقالوا إِنَّكُم أَنتُمُ الظّٰلِمونَ(64)
«فرجعوا إلى أنفسهم» بالتفكر «فقالوا» لأنفسهم «إنكم أنتم الظالمون» بعبادتكم من لا ينطق.(64)
ثُمَّ نُكِسوا عَلىٰ رُءوسِهِم لَقَد عَلِمتَ ما هٰؤُلاءِ يَنطِقونَ(65)
«ثم نكسوا» من الله «على رءُوسهم» أي ردوا إلى كفرهم وقالوا والله «لقد علمتَ ما هؤلاء ينطقون» أي فكيف تأمرنا بسؤالهم.(65)
قالَ أَفَتَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَنفَعُكُم شَيـًٔا وَلا يَضُرُّكُم(66)
«قال أفتعبدون من دون الله» أي بدله «ما لا ينفعكم شيئاً» من رزق وغيره «ولا يضركم» شيئاً إذا لم تعبدوه.(66)
أُفٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ ۖ أَفَلا تَعقِلونَ(67)
«أف» بكسر الفاء وفتحها بمعنى مصدر أي نتناً وقبحاً «لكم ولما تعبدون من دون الله» أي غيره «أفلا تعقلون» أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة ولا تصلح لها، وإنما يستحقها الله تعالى.(67)
قالوا حَرِّقوهُ وَانصُروا ءالِهَتَكُم إِن كُنتُم فٰعِلينَ(68)
«قالوا حرِّقوه» أي إبراهيم «وانصروا آلهتكم» أي بتحريقه «إن كنتم فاعلين» نصرتها فجمعوا له الحطب الكثير وأضرموا النار في جميعه وأوثقوا إبراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار قال تعالى:(68)
قُلنا يٰنارُ كونى بَردًا وَسَلٰمًا عَلىٰ إِبرٰهيمَ(69)
(قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) فلم تحرق منه غير وثاقه، وذهبت حرارتها وبقيت إضاءتها وبقوله "" وسلاماً "" سلم من الموت ببردها.(69)
وَأَرادوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلنٰهُمُ الأَخسَرينَ(70)
«وأرادوا به كيداً» وهو التحريق «فجعلناهم الأخسرين» في مرادهم.(70)
وَنَجَّينٰهُ وَلوطًا إِلَى الأَرضِ الَّتى بٰرَكنا فيها لِلعٰلَمينَ(71)
«ونجيناه ولوطاً» ابن أخيه هاران من العراق «إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين» بكثرة الأنهار والأشجار وهي الشام نزل إبراهيم بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما يوم.(71)
وَوَهَبنا لَهُ إِسحٰقَ وَيَعقوبَ نافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلنا صٰلِحينَ(72)
«ووهبنا له» أي لإبراهيم وكان سأل ولداً كما ذكر في الصافات «إسحاق ويعقوب نافلة» أي زيادة على المسؤول أو هو ولد الولد «وكلاً» أي هو وولداه «جعلنا صالحين» أنبياء.(72)
وَجَعَلنٰهُم أَئِمَّةً يَهدونَ بِأَمرِنا وَأَوحَينا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرٰتِ وَإِقامَ الصَّلوٰةِ وَإيتاءَ الزَّكوٰةِ ۖ وَكانوا لَنا عٰبِدينَ(73)
«وجعلناهم أئمة» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء يقتدى بهم في الخير «يهدون» الناس «بأمرنا» إلى ديننا «وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» أي أن تفعل وتقام وتؤتى منهم ومن أتباعهم، وحذف هاء إقامة تخفيف «وكانوا لنا عابدين».(73)
وَلوطًا ءاتَينٰهُ حُكمًا وَعِلمًا وَنَجَّينٰهُ مِنَ القَريَةِ الَّتى كانَت تَعمَلُ الخَبٰئِثَ ۗ إِنَّهُم كانوا قَومَ سَوءٍ فٰسِقينَ(74)
«ولوطاً آتيناه حكماً» فصلاً بين الخصوم «وعلماً ونجيناه من القرية التي كانت تعمل» أي أهلها الأعمال «الخبائث» من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغير ذلك «إنهم كانوا قوم سوء» مصدر ساءه نقيض سرَّه «فاسقين».(74)
وَأَدخَلنٰهُ فى رَحمَتِنا ۖ إِنَّهُ مِنَ الصّٰلِحينَ(75)
«وأدخلناه في رحمتنا» بأن أنجيناه من قومه «إنه من الصالحين».(75)
وَنوحًا إِذ نادىٰ مِن قَبلُ فَاستَجَبنا لَهُ فَنَجَّينٰهُ وَأَهلَهُ مِنَ الكَربِ العَظيمِ(76)
(و) اذكر (نوحاً) وما بعده بدل منه (إذ نادى) دعا على قومه بقوله "" رب لا تذر "" إلخ (من قبل) أي قبل إبراهيم ولوط (فاستجبنا له فنجيناه وأهله) الذين في سفينته (من الكرب العظيم) أي الغرق وتكذيب قومه له.(76)
وَنَصَرنٰهُ مِنَ القَومِ الَّذينَ كَذَّبوا بِـٔايٰتِنا ۚ إِنَّهُم كانوا قَومَ سَوءٍ فَأَغرَقنٰهُم أَجمَعينَ(77)
«ونصرناه» منعناه «من القوم الذين كذبوا بآياتنا» الدالة على رسالته أن لا يصلوا إليه بسوء «إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين».(77)
وَداوۥدَ وَسُلَيمٰنَ إِذ يَحكُمانِ فِى الحَرثِ إِذ نَفَشَت فيهِ غَنَمُ القَومِ وَكُنّا لِحُكمِهِم شٰهِدينَ(78)
«و» اذكر «داود وسليمان» أي قصتهما ويبدل منهما «إذ يحكمان في الحرث» هو زرع أو كرم «إذ نفشت فيه غنم القوم» أي رعته ليلاً بلا راع بأن انفلتت «وكنا لحكمهم شاهدين» فيه استعمال ضمير الجمع لاثنين، قال داود لصاحب الحرث رقاب الغنم، وقال سليمان: ينتفع بدرها ونسلها وصوفها إلى أن يعود الحرث كما كان بإصلاح صاحبها فيردها إليه.(78)
فَفَهَّمنٰها سُلَيمٰنَ ۚ وَكُلًّا ءاتَينا حُكمًا وَعِلمًا ۚ وَسَخَّرنا مَعَ داوۥدَ الجِبالَ يُسَبِّحنَ وَالطَّيرَ ۚ وَكُنّا فٰعِلينَ(79)
«ففهمناها» أي الحكومة «سليمان» وحكمهما باجتهاد ورجع داود إلى سليمان وقيل بوحي والثاني ناسخ للأول «وكلا» منهما «آتينا» ه «حكماً» نبوة «وعلماً» بأمور الدين «وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير» كذلك سخرا للتسبيح معه لأمره به إذا وجد فترة لينشط له «وكنا فاعلين» تسخير تسبيحهما معه، وإن كان عجباً عندكم: أي مجاوبته للسيد داود.(79)
وَعَلَّمنٰهُ صَنعَةَ لَبوسٍ لَكُم لِتُحصِنَكُم مِن بَأسِكُم ۖ فَهَل أَنتُم شٰكِرونَ(80)
«وعلمناه صنعة لَبُوس» وهي الدرع لأنها تلبس، وهو أول من صنعها وكان قبلها صفائح «لكم» في جملة الناس «لنحصنكم» بالنون لله وبالتحتانية لداود وبالفوقانية للبوس «من بأسكم» حربكم مع أعدائكم «فهل أنتم» يا أهل مكة «شاكرون» نعمتي بتصديق الرسول: أي اشكروني بذلك.(80)
وَلِسُلَيمٰنَ الرّيحَ عاصِفَةً تَجرى بِأَمرِهِ إِلَى الأَرضِ الَّتى بٰرَكنا فيها ۚ وَكُنّا بِكُلِّ شَيءٍ عٰلِمينَ(81)
«و» سخرنا «لسليمان الريح عاصفة» وفي آية أخرى: رخاء، أي شديدة الهبوب وخفيفته حسب إرادته «تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها» وهي الشام «وكنا بكل شيء عالمين» من ذلك علم الله تعالى بأن ما يعطيه سليمان يدعوه إلى الخضوع لربه ففعله تعالى على مقتضى علمه.(81)
وَمِنَ الشَّيٰطينِ مَن يَغوصونَ لَهُ وَيَعمَلونَ عَمَلًا دونَ ذٰلِكَ ۖ وَكُنّا لَهُم حٰفِظينَ(82)
«و» سخرنا «من الشياطين من يغوصون له» يدخلون في البحر فيُخرجون منه الجواهر لسليمان «ويعلمون عملاً دون ذلك» أي سوى الغوص من البناء وغيره «وكنا لهم حافظين» من أن يُفسدوا ما عملوا، لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل قبل الليل أفسدوه إن لم يشتغلوا بغيره.(82)
۞ وَأَيّوبَ إِذ نادىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرحَمُ الرّٰحِمينَ(83)
«و» اذكر «أيوب» ويبدل منه «إذ نادى ربه» لما ابتلي بفقد جميع ماله وولده وتمزيق جسده وهجر جميع الناس له إلا زوجته سنين ثلاثا أو سبعاً أو ثماني عشرة وضيق عيشه «أني» بفتح الهمزة بتقدير الياء «مسنيَ الضر» أي الشدة «وأنت أرحم الراحمين».(83)
فَاستَجَبنا لَهُ فَكَشَفنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَءاتَينٰهُ أَهلَهُ وَمِثلَهُم مَعَهُم رَحمَةً مِن عِندِنا وَذِكرىٰ لِلعٰبِدينَ(84)
«فاستجبنا له» نداءه «فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله» أولاده الذكور والإناث بأن أحيوا له وكل من الصنفين ثلاث أو سبع «ومثلهم معهم» من زوجته وزيد في شبابها، وكان له أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين أفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض «رحمة» مفعول له «من عندنا» صفة «وذكرى للعابدين» ليصبروا فيثابوا.(84)
وَإِسمٰعيلَ وَإِدريسَ وَذَا الكِفلِ ۖ كُلٌّ مِنَ الصّٰبِرينَ(85)
«و» اذكر «إسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين» على طاعة الله وعن معاصيه.(85)
وَأَدخَلنٰهُم فى رَحمَتِنا ۖ إِنَّهُم مِنَ الصّٰلِحينَ(86)
«وأدخلناهم في رحمتنا» من النبوة «إنهم من الصالحين» لها وسمي ذا الكفل لأنه تكفل بصيام جميع نهاره وقيام جميع ليله وأن يقضي بين الناس ولا يغضب فوفى بذلك وقيل لم يكن نبيا.(86)
وَذَا النّونِ إِذ ذَهَبَ مُغٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَقدِرَ عَلَيهِ فَنادىٰ فِى الظُّلُمٰتِ أَن لا إِلٰهَ إِلّا أَنتَ سُبحٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظّٰلِمينَ(87)
«و» اذكر «ذا النون» صاحب الحوت وهو يونس بن متى ويبدل منه «إذ ذهب مغاضباً» لقومه أي غضبان عليهم مما قاسى منهم ولم يؤذن له في ذلك «فظن أن لن نقدر عليه» أي نقضي عليه بما قضيناه من حبسه في بطن الحوت، أو نضيق عليه بذلك «فنادى في الظلمات» ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت «أن» أي بأن «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» في ذهابي من بين قومي بلا إذن.(87)
فَاستَجَبنا لَهُ وَنَجَّينٰهُ مِنَ الغَمِّ ۚ وَكَذٰلِكَ نُۨجِى المُؤمِنينَ(88)
«فاستجبنا له ونجيناه من الغم» بتلك الكلمات «وكذلك» كما نجيناه «ننجي المؤمنين» من كربهم إذا استغاثوا بنا داعين.(88)
وَزَكَرِيّا إِذ نادىٰ رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرنى فَردًا وَأَنتَ خَيرُ الوٰرِثينَ(89)
«و» اذكر «زكريا» ويبدل منه «إذ نادى ربه» بقوله «رب لا تذرني فرداً» أي بلا ولد يرثني «وأنت خير الوارثين» الباقي بعد فناء خلقك.(89)
فَاستَجَبنا لَهُ وَوَهَبنا لَهُ يَحيىٰ وَأَصلَحنا لَهُ زَوجَهُ ۚ إِنَّهُم كانوا يُسٰرِعونَ فِى الخَيرٰتِ وَيَدعونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكانوا لَنا خٰشِعينَ(90)
«فاستجبنا له» نداءه «ووهبنا له يحيى» ولداً «وأصلحنا له زوجه» فأتت بالولد بعد عقمها «إنهم» أي من ذُكر من الأنبياء «كانوا يسارعون» يبادرون «في الخيرات» الطاعات «ويدعوننا رغباً» في رحمتنا «ورهباً» من عذابنا «وكانوا لنا خاشعين» متواضعين في عبادتهم.(90)
وَالَّتى أَحصَنَت فَرجَها فَنَفَخنا فيها مِن روحِنا وَجَعَلنٰها وَابنَها ءايَةً لِلعٰلَمينَ(91)
«و» اذكر مريم «التي أحصنت فرجها» حفظته من أن ينال «فنفخنا فيها من روحنا» أي جبريل حيث نفخ في جيب درعها فحملت بعيسى «وجعلناها وابنها آية للعالمين» الإنس والجن والملائكة حيث ولدته من غير فحل.(91)
إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنا۠ رَبُّكُم فَاعبُدونِ(92)
«إن هذه» أي ملة الإسلام «أمتكم» دينكم أيها المخاطبون أي يجب أن تكونوا عليها «أمة واحدة» حال لازمة «وأنا ربكم فاعبدون» وحدون.(92)
وَتَقَطَّعوا أَمرَهُم بَينَهُم ۖ كُلٌّ إِلَينا رٰجِعونَ(93)
«وتَقطَّعوا» أي بعض المخاطبين «أمرهم بينهم» أي تفرقوا أمر دينهم متخالفين فيه، وهم طوائف اليهود والنصارى قال تعالى: «كل إلينا راجعون» أي فنجازيه بعمله.(93)
فَمَن يَعمَل مِنَ الصّٰلِحٰتِ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلا كُفرانَ لِسَعيِهِ وَإِنّا لَهُ كٰتِبونَ(94)
«فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران» أي لا جحود «لسعيه وإنا له كاتبون» بأن نأمر الحفظة بكتبه فنجازيه عليه.(94)
وَحَرٰمٌ عَلىٰ قَريَةٍ أَهلَكنٰها أَنَّهُم لا يَرجِعونَ(95)
«وحرام على قرية أهلكناها» أريد أهلها «أنهم لا» زائدة «يرجعون» أي ممتنع رجوعهم إلى الدنيا.(95)
حَتّىٰ إِذا فُتِحَت يَأجوجُ وَمَأجوجُ وَهُم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلونَ(96)
«حتى» غاية لامتناع رجوعهم «إذا فتحت» بالتخفيف والتشديد «يأجوج ومأجوج» بالهمز وتركه اسمان أعجميان لقبيلتين، ويقدر قبله مضاف أي سدهما وذلك قرب القيامة «وهم من كل حدب» مرتفع من الأرض «ينسلُون» يسرعون.(96)
وَاقتَرَبَ الوَعدُ الحَقُّ فَإِذا هِىَ شٰخِصَةٌ أَبصٰرُ الَّذينَ كَفَروا يٰوَيلَنا قَد كُنّا فى غَفلَةٍ مِن هٰذا بَل كُنّا ظٰلِمينَ(97)
«واقترب الوعد الحق» أي يوم القيامة «فإذا هي» أي القصة «شاخصة أبصار الذين كفروا» في ذلك اليوم لشدته، يقولون «يا» للتنبيه «ويلنا» هلاكنا «قد كنا» في الدنيا «في غفلة من هذا» اليوم «بل كنا ظالمين» أنفسنا بتكذيبنا للرسل.(97)
إِنَّكُم وَما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُم لَها وٰرِدونَ(98)
«إنكم» يا أهل مكة «وما تعبدون من دون الله» أي غيره من الأوثان «حصب جهنم» وقودها «أنتم لها واردون» داخلون فيها.(98)
لَو كانَ هٰؤُلاءِ ءالِهَةً ما وَرَدوها ۖ وَكُلٌّ فيها خٰلِدونَ(99)
«لو كان هؤلاء» الأوثان «آلهة» كما زعمتم «ما وردوها» دخلوها «وكل» من العابدين والمعبودين «فيها خالدون».(99)
لَهُم فيها زَفيرٌ وَهُم فيها لا يَسمَعونَ(100)
«لهم» للعابدين «فيها زفير وهم فيها لا يسمعون» شيئاً لشدة غليانها. ونزل لما قال ابن الزبعري عبد عزير والمسيح والملائكة فهم في النار على مقتضى ما تقدم.(100)
إِنَّ الَّذينَ سَبَقَت لَهُم مِنَّا الحُسنىٰ أُولٰئِكَ عَنها مُبعَدونَ(101)
«إن الذين سبقت لهم منا» المنزلة «الحسنى» ومنهم من ذكر «أولئك عنها مبعدون».(101)
لا يَسمَعونَ حَسيسَها ۖ وَهُم فى مَا اشتَهَت أَنفُسُهُم خٰلِدونَ(102)
«لا يسمعون حسيسها» صوتها «وهم في ما اشتهت أنفسهم» من النعيم «خالدون».(102)
لا يَحزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكبَرُ وَتَتَلَقّىٰهُمُ المَلٰئِكَةُ هٰذا يَومُكُمُ الَّذى كُنتُم توعَدونَ(103)
«لا يحزنهم الفزع الأكبر» وهو أن يؤمر بالعبد إلى النار «وتتلقاهم» تستقبلهم «الملائكة» عند خروجهم من القبور يقولون لهم «هذا يومكم الذي كنتم توعدون» في الدنيا.(103)
يَومَ نَطوِى السَّماءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلكُتُبِ ۚ كَما بَدَأنا أَوَّلَ خَلقٍ نُعيدُهُ ۚ وَعدًا عَلَينا ۚ إِنّا كُنّا فٰعِلينَ(104)
«يوم» منصوب باذكر مقدراً قبله «نطوي السماء كطي السجل» اسم ملك «للكتاب» صحيفة ابن آدم عند موته واللام زائدة أو السجل الصحيفة والكتاب بمعنى المكتوب واللام بمعنى على وفي قراءة للكتب جمعاً «كما بدأنا أول خلق» من عدم «نُعيده» بعد إعدامه فالكاف متعلقة بنعيد وضميره عائد إلى أول وما مصدرية «وعداً علينا» منصوب بوعدنا مقدراً قبله وهو مؤكد لمضمون ما قبله «إنا كنا فاعلين» ما وعدناه.(104)
وَلَقَد كَتَبنا فِى الزَّبورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُها عِبادِىَ الصّٰلِحونَ(105)
«ولقد كتبنا في الزبور» بمعنى الكتاب أي كتب الله المنزلة «من بعد الذكر» بمعنى أم الكتاب الذي عند الله «أن الأرض» أرض الجنة «يرثها عبادي الصالحون» عام في كل صالح.(105)
إِنَّ فى هٰذا لَبَلٰغًا لِقَومٍ عٰبِدينَ(106)
«إن في هذا» القرآن «لبلاغاً» كفاية في دخول الجنة «لقوم عابدين» عاملين به.(106)
وَما أَرسَلنٰكَ إِلّا رَحمَةً لِلعٰلَمينَ(107)
«وما أرسلناك» يا محمد «إلا رحمة» أي للرحمة «للعالمين» الإنس والجن بك.(107)
قُل إِنَّما يوحىٰ إِلَىَّ أَنَّما إِلٰهُكُم إِلٰهٌ وٰحِدٌ ۖ فَهَل أَنتُم مُسلِمونَ(108)
«قل إنما يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد» أي ما يوحى إليَّ في أمر الإله إلا وحدانيته «فهل أنتم مسلمون» منقادون لما يوحى إليَّ من وحدانية الإله والاستفهام بمعنى الأمر.(108)
فَإِن تَوَلَّوا فَقُل ءاذَنتُكُم عَلىٰ سَواءٍ ۖ وَإِن أَدرى أَقَريبٌ أَم بَعيدٌ ما توعَدونَ(109)
«فإن تولوا» عن ذلك «فقل آذنتكم» أعلمتكم بالحرب «على سواء» حال من الفاعل والمفعول، أي مستوين في علمه لا أستبد به دونكم لتتأهبوا «وإن» ما «أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» من العذاب أو القيامة المشتملة عليه وإنما يعلمه الله.(109)
إِنَّهُ يَعلَمُ الجَهرَ مِنَ القَولِ وَيَعلَمُ ما تَكتُمونَ(110)
«إنه» تعالى «يعلم الجهر من القول» والفعل منكم ومن غيركم «ويعلم ما تكتمون» أنتم وغيركم من السر.(110)
وَإِن أَدرى لَعَلَّهُ فِتنَةٌ لَكُم وَمَتٰعٌ إِلىٰ حينٍ(111)
«وإن» ما «أدري لعله» أي ما أعلمتكم به ولم يعلم وقته «فتنة» اختبار «لكم» ليرى كيف صنعكم «ومتاع» تمتع «إلى حين» أي انقضاء آجالكم وهذا مقابل للأول المترجى بلعل وليس الثاني محلا للترجي.(111)
قٰلَ رَبِّ احكُم بِالحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحمٰنُ المُستَعانُ عَلىٰ ما تَصِفونَ(112)
(قل) وفي قراءة قال (رب احكم) بيني وبين مكذبي (بالحق) بالعذاب لهم أو النصر عليهم، فعذبوا ببدر وأحد وحنين والأحزاب والخندق ونصر عليهم (وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) من كذبكم على الله في قولكم "" اتخذ ولداً "" وعلي في قولكم: ساحر، وعلى القرآن في قولكم: شعر.(112)